في قلب معاناة صامتة، تبدأ الحكاية داخل عربة جرار زراعي متوقفة على هامش الحياة في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، تحولت إلى مأوى مؤقت لمسنة وابنها بعد أن أُغلقت في وجهيهما كل الأبواب، ولم يبقَ لهما سوى هذا الهيكل الحديدي شاهداً على ما تبقى من يومهما.
ففي هذه المساحة الضيقة التي تفتقر إلى الماء والكهرباء وأبسط مقومات العيش، تحاول الأم المسنة التقاط أنفاسها بصعوبة، بينما يراقبها نجلها بعينين مثقلة بالعجز والخوف، يترقب كل حركاتها، وكأن أنفاسها القليلة باتت ميزان الوقت الوحيد.
تعاني المسنة من مرض الربو، وتحتاج إلى جهاز يساعدها على التنفس بشكل منتظم، غير أن الفقر وقسوة الظروف حرماها من هذا الحق البديهي، ومع كل نوبة اختناق، يتحول الجرار إلى ساحة صراع مع الزمن، حيث لا دواء كافياً، ولا جهازاً طبياً، ولا إسعافاً يلوح في الأفق.
أمام هذا الواقع القاسي، لم يكن أمام نجلها سوى خيار واحد، فحمل منفاخاً مخصصاً لنفخ عجلات السيارات، وحوله إلى وسيلة إسعاف بديلة، في محاولة يائسة للتخفيف من معاناة والدته اليومية، ولم يكن ذلك ابتكاراً بقدر ما كان رهاناً أخيراً على الحياة، مدفوعاً بغريزة النجاة وحب الابن لأمه، لا بالعلم أو الإمكانات.
وصف نشطاء المشهد بأنه “صادم” و”مفجع”، لما يحمله من دلالات على عمق الأزمة الإنسانية وتآكل أبسط مقومات الرعاية الصحية في قطاع غزة.
ورأى ناشطون في القصة مرآة لمعاناة مرضى غزة، حيث لم يعد نقص الأجهزة الطبية أو الأدوية استثناءً، بل أصبح واقعاً يومياً يهدد حياة آلاف المرضى، لا سيما كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، في ظل منظومة صحية شبه منهارة.
وأشاروا إلى أن استخدام منفاخ العجلات يعكس حجم الانهيار الصحي الناتج عن استهداف المستشفيات ومنع دخول المعدات الطبية، معتبرين أن ما تواجهه المسنة هو وجه آخر لحرب الإبادة التي لا تقتصر على القتل المباشر، بل تمتد إلى خنق الحياة ببطء.
وأكد ناشطون أن قصة هذه المسنة ليست حالة فردية، بل صورة مكثفة لمعاناة إنسانية أوسع، يدفع فيها العجز والفقر الناس إلى ابتكار حلول قاسية للبقاء على قيد الحياة، في ظل غياب الرعاية الصحية وتراجع أبسط حقوق الإنسان.
وكتب أحد النشطاء: “في غزة، حتى الهواء أصبح محاصراً، وهذا المنفاخ ليس حلاً، بل شهادة على جريمة مستمرة”.
وقال آخر: “هذا ليس ابتكاراً… هذا صراخ أبكم في وجه الفقر والخذلان”.
وفي المقابل، رأى آخرون في تصرف الابن نموذجاً مؤلماً للتضحية، مؤكدين أن ما فعله لم يكن خياراً، بل محاولة أخيرة لانتزاع الحياة من بين أنياب المرض والعجز.
كما أعاد مغردون التذكير بأن هذه القصة تمثل جزءاً يسيراً من معاناة آلاف المرضى الذين يواجهون أمراضهم بإمكانات شبه معدومة.
ودعا عدد من المغردين إلى تدخل عاجل من الجهات المختصة والمؤسسات الإنسانية لتوفير جهاز تنفس ورعاية طبية مناسبة للمسنة، محذرين من خطورة استمرار استخدام وسائل بدائية قد تهدد حياتها.
وأجمع المغردون على حقيقة واحدة أن ما تعيشه هذه المسنة داخل جرار زراعي في خان يونس ليس مشهداً استثنائياً في غزة، بل صورة مكثفة لمعاناة شعب يُجبر، تحت وطأة حرب الإبادة والحصار الإسرائيلي، على مواجهة المرض بالمستحيل، والنجاة بأدوات لا تليق بالحياة.
شبكة الأخبار المتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مستقلة تقدّم أخباراً موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى إلى تعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
للمزيد من الأخبار يمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
https://un-news.org
