رد أوروبي حاسم على تحركات ترامب بخصوص غرينلاند: تهديد للناتو والقانون الدولي
أثارت المبادرات الأخيرة للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بشأن منطقة غرينلاند موجة من ردود الفعل القوية من جانب دول أوروبية، والتحالف الأطلسي، والتي اعتبرت هذه الخطوة تهدداً واضحاً للسيادة الوطنية للدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وخرقاً صارخاً للقانون الدولي.
وتأتي هذه التوترات في خضم سلسلة من التحركات الدبلوماسية والعسكرية التي تقودها أوروبا، في محاولة لحماية مصالحها الإقليمية وتعزيز التوازن الاستراتيجي في القطب الشمالي الذي يكتسب أهمية متزايدة.
تعود فكرة الاهتمام الأمريكي بضم غرينلاند، التابعة للدنمارك، إلى أواخر القرن التاسع عشر. ويعيد هذا الطرح نفسه بقوة إلى المشهد الدولي مع تقديرات حول تولي ترامب لفترة رئاسية ثانية في يناير 2025. وفي مارس من العام نفسه، أعلن ترامب عن إمكانية إجراء صفقة لضم الجزيرة، وحذّر في الوقت نفسه الدنمارك من فرض رسوم تجارية.
وفي مايو من العام 2025، أشار ترامب إلى احتمال استخدام القوة لحسم الأمر، معتبراً أن موقع غرينلاند الاستراتيجي الواقع بين أوراسيا وأمريكا الشمالية والمنطقة القطبية الشمالية يؤهله لذلك، كما أن ارتباطه بإنشاء أنظمة الدفاع الصاروخي ومراقبة المسارات البحرية كان أحد الأسباب التي قيل إنها دفعت وراء هذا التهديد.
وكان رد الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية الكبرى حاسماً ومباشراً. في 6 يناير 2026، أعرب قادة فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وبولندا عن التضامن الكامل مع الدنمارك وشعب غرينلاند، مؤكدين أن الجزيرة لديها الحق في تقرير مصيرها بنفسها، وأن أي محاولة أمريكية للضم تُعد انتهاكاً جسيمًا للسيادة الدنماركية.
من جهتها، حذرت رئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، بأن أي هجوم أمريكي على دولة عضو في الناتو سيؤدي إلى إفلاس النظام الأمني الذي يربط أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. أما رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، فأشار إلى أن أي تهديد مباشر بين أعضاء الناتو قد يجعل التحالف بلا معنى وظيفي، وذلك بمعنى التأكيد على مبدأ الدفاع الجماعي المنصوص عليه في المادة الخامسة من معاهدة الناتو.
وأكد رئيس الحكومة الفنلندية ألكساندر ستوب ورئيس وزراء النرويج يونس جار ستوري دعم بلديهما الكامل للدنمارك وغرينلاند.
وفي الوقت نفسه، شددت المستشارة الألمانية (في تلك الفترة الزمنية المحددة في المصدر) فريدريش ميرتس ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين على ضرورة تحقيق أمن القطب الشمالي بالتعاون مع الشركاء، بما في ذلك الولايات المتحدة، مع التزام تام بمبادئ القانون الدولي وسيادة الدول.
وفي إطار الاستجابة للتهديدات الأمريكية، أرسلت بعض الدول الأوروبية قواتها للمشاركة في المناورات العسكرية “الصلابة القطبية” (Arctic Endurance)، والتي تهدف إلى تعزيز جاهزية القوات للتعامل مع الظروف القاسية في القطب الشمالي وتأكيد وجود الناتو في المنطقة. وشملت المشاركة قواتًا تصل إلى 100 عنصر من الدنمارك، و15 عنصرًا من ألمانيا وفرنسا، و3 عناصر من السويد وهولندا، وعنصرين من فنلندا وإيسلندا والنرويج سلوفينيا، وعضوين من بلجيكا وبريطانيا.
وفي استجابة لخطوات أوروبا، أعلن ترامب فرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الواردات من ثماني دول أوروبية اعتبارًا من 1 فبراير 2026، وهدد برفعها إلى 25% ابتداءً من يونيو، متوعدًا بربط رفع الرسوم بالتوصل إلى اتفاق بشأن غرينلاند.
واعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن أي محاولة للتهديد أو الابتزاز لن تؤثر على موقف أوروبا في القضايا العالمية، مؤكدًا التزامه الكامل بحماية سيادته ومصالحه. وأيدته ألمانيا والدنمارك وفنلندا وهولندا والنرويج والسويد والمملكة المتحدة، وأعلنت مجموعة السبعة (G7) في تلك الفترة استعدادها لاتخاذ إجراءات ضد الولايات المتحدة، والتي قد تصل إلى 93 مليار يورو، وتشمل تقييد الوصول إلى السوق الأوروبية للشركات الأمريكية.
يطرح هذا الصراع، الذي وصل إلى ذروته في تلك الفترة، تساؤلات عميقة حول مستقبل الناتو ووحدته. وأشار القادة الأوروبيون إلى أن أي نزاع مباشر بين أعضاء الناتو قد يقوّض الثقة بمبدأ الدفاع الجماعي ويعرّض وظيفته للاشتباك.
وأكد المراقبون أن هذا الخلاف يكشف عن هشاشة العلاقات الأوروبية-الأمريكية وأن الاعتماد المطلق على واشنطن في القضايا الاستراتيجية أصبح مهددًا، مما يفتح الباب أمام رؤى جديدة للسياسات الدفاعية والأمنية الأوروبية المستقلة أو المتوازية جزئيًا عن حلف الناتو.
وتُظهر أزمة غرينلاند كيف يمكن لمبادرة فردية من رئيس أمريكي أن تهدد بالتأثير على الاستقرار في تحالف عسكري دولي وتضع أوروبا أمام تحديات أمنية غير مسبوقة. ووفقًا للخبراء، فإن استمرار التوتر قد يدفع الاتحاد الأوروبي إلى تسريع خططه لتعزيز قدراته العسكرية الخاصة، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، مع التركيز على البحث عن حلول دبلوماسية قبل اللجوء إلى إجراءات أكثر تشديدًا، بما في ذلك فرض عقوبات اقتصادية وتقييد النفوذ الأمريكي في السوق الأوروبية.
المصدر: تاس
شبكة الأخبار المتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مستقلة تقدّم أخباراً موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى إلى تعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
للمزيد من الأخبار يمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
https://un-news.org
