ما يجري في السودان لم يعد “حربًا أهلية” بالمعنى التقليدي، بل صراعًا متعدد الطبقات يُنتج اقتصاد حرب، ويُعيد رسم خرائط النفوذ داخل الدولة وعبر حدودها. وفي تشاد تظهر الحدود الشرقية كـ“خط تماس” جديد، لا لأن نجامينا تريد الانخراط، بل لأن الحرب السودانية تدفعها دفعًا إلى ذلك.
1) التحول الميداني داخل السودان: من معركة العاصمة إلى تفكيك الأطراف
خلال الأيام والأسابيع الأخيرة برزت مؤشرات على انتقال مركز الثقل العسكري نحو كردفان ودارفور، مع محاولات لفك حصارات وفتح طرق إمداد في مدن استراتيجية. تقارير حديثة تتحدث عن فك حصار طويل على بلدات/مدن في جنوب كردفان/كردفان بما يعيد تشكيل خطوط الإمداد ويُغيّر حسابات السيطرة.
لكن النقطة الأهم سياسيًا: حتى عندما يحقق الجيش السوداني مكاسب موضعية، فإن الحرب تُنتج واقع “سيطرة متجاورة” أكثر من كونها طريقًا لاستعادة دولة موحّدة. هذا يعزّزه نمط الانتهاكات المبلغ عنها في دارفور—ومنها شهادات عن اختطاف أطفال أثناء السيطرة على الفاشر—وهو نمط يُفاقم الاستقطاب ويُصعّب أي تسوية لا تتضمن مساءلة أو ضمانات قوية.
2) تشاد: من دولة “استقبال لاجئين” إلى دولة “ردع حدودي”
التحول الأخطر في ملف قوات الدعم السريع ليس فقط تمددها داخل السودان، بل تماسها المباشر مع الحدود التشادية. خلال يناير 2026 ظهرت تقارير متقاطعة عن توغل واشتباك داخل الأراضي التشادية أدى إلى مقتل جنود تشاديين، مع تحميل نجامينا المسؤولية لعناصر قادمة من السودان، مقابل روايات تقلل من “القصد”. هذا النوع من الحوادث يدفع تشاد لتغيير قواعد الاشتباك على الحدود (إنذار، انتشار، وربما عمليات “منع تسلل” أكثر خشونة).
ومع وجود ضغط لوجستي وإنساني هائل نتيجة النزوح، فإن تشاد تُواجه معادلة صعبة: كل تصعيد حدودي يهدد خطوط الإغاثة ويعمّق أزمات الداخل. بيانات ومتابعات أممية تشير إلى أن تشاد تستضيف أعدادًا كبيرة من النازحين واللاجئين وترصد مخاطر حماية مرتفعة واحتياجات متزايدة في الشرق.
3) كيف ينظر المجتمع الدولي؟
أ) الأمم المتحدة: أولوية “حماية المدنيين” ومنع الانزلاق الإقليمي
بيانات مجلس الأمن ركزت على العنف حول دارفور والفاشر وعلى مخاطر استمرار التدهور. المقاربة الأممية عمليًا: ضغط سياسي + تحذير إنساني، لكن دون أدوات إنفاذ كافية على الأرض.
ب) منظومة العدالة الدولية: تثبيت ملف الجرائم كعامل سياسي
تحديثات المحكمة الجنائية الدولية لم تعد “ملفًا قانونيًا” فقط؛ بل عنصر ضغط سياسي يقيّد خيارات التطبيع مع أي طرف يُتهم بجرائم واسعة، ويزيد كلفة الحلول التي تتجاهل المساءلة.
ج) الإطار الإقليمي: مبادرات متعددة… وفاعلية محدودة
هناك مساعٍ مرتبطة بـ الاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد) لدفع مسار سياسي، لكن تعدد المنصات وتباين مصالح الدول الداعمة للأطراف يجعل “توحيد المسار” تحديًا مستمرًا.
4) استشراف التبعات الإقليمية في 2026: ثلاثة سيناريوهات مرجّحة
1. عسكرة الحدود التشادية–السودانية: مزيد من الاحتكاكات، وربما “حزام أمني” تشادي غير معلن داخل العمق الحدودي لمنع التوغل—ما يرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
2. تدويل المساعدات مقابل تجزئة النفوذ: المجتمع الدولي قد يندفع لتمويل الاستجابة الإنسانية عبر آليات عابرة للدولة لأن الدولة نفسها غير قادرة/غير موحدة—وهذا يُثبّت واقع “سلطات أمر واقع” ويطيل أمد الصراع.
3. امتداد عدم الاستقرار نحو فضاء الساحل: أي اضطراب في تشاد (التي تمثل عقدة توازن في الساحل) سينعكس على محيطها أمنياً، خصوصًا مع اقتصاديات التهريب والسلاح وحركة الجماعات المسلحة في الإقليم.
و لم يُدفع بمسار سياسي او (عقوبات مُحكمة على شبكات التمويل، ضمانات حماية للمدنيين، وترتيبات أمنية حدودية مع تشاد)، في سيناريو 2026 الأقرب هو: حرب أقل “مركزية” وأكثر “انتشارًا”—أي أخطر وأصعب على الاحتواء.
