loader image

عندما يرحل من يترك الوطن أكثر امتلاءً

بواسطة
مدة القراءة: 3 دقيقة

ليس كل رحيلٍ فَقْدًا، فبعض الرجال إذا غابوا حضروا أكثر، وإذا أغمضوا أعينهم اتسعت رؤيتهم في ذاكرة الناس. من هذا الطراز النادر كان الراحل سعادة مستشار رئيس هيئة الأركان العامة
أحمد بن حمد بن حميد المطيري، رحمه الله، رجلٌ لم يكن اسمه عنوان منصب، بل كان أثرًا ممتدًا في القلوب، وسيرةً تُروى قبل أن تُكتب.

عرفه أهله وأقاربه إنسانًا سبق فعله قوله، وبذله حديثه، فما ضاق صدره عن محتاج، ولا انكفأ عن قريب، ولا اعتذر يومًا عن خيرٍ قُدِر عليه. كان كريم المعنى قبل أن يكون كريم اليد، واسع الصدر، حريصًا على أن يترك في كل مجلسٍ أثر طمأنينة، وفي كل علاقةٍ معنى وفاء. لم يكن حضوره عابرًا في حياة من عرفوه، بل كان تثبيتًا للقيم في زمنٍ تتبدل فيه المواقف سريعًا.

أما في حياته العملية، فكان مثالًا نادرًا للموظف العام الذي فهم الوظيفة على أنها تكليف لا تشريف. قرابة ثلاثين عامًا من الخدمة الصامتة، لم يُعرف عنه فيها إلا الإخلاص والانضباط، والالتزام الصارم بأخلاقيات المسؤولية. عمل مستشارًا لرئيس هيئة الأركان العامة، في موقعٍ تتقاطع فيه القرارات مع المصير، والواجب مع الضغط، فكان ثابتًا، متزنًا، لا تحركه الأهواء ولا تغريه الأضواء.

لم تكن قيادته للأفراد قيادة أوامر، بل قيادة قدوة. كان قريبًا ممن تولى شؤونهم، واعيًا بأن الجندية ليست رتبة فحسب، بل إنسان قبل كل شيء. لذلك لم يكن غريبًا أن ينعكس هذا الحب والاحترام يوم وداعه، حين خرجت الجموع لتشييعه من داخل المملكة وخارجها، ومن جنسيات متعددة، في مشهدٍ لا تصنعه العلاقات الرسمية، بل تصوغه سنوات الصدق.

وإلى جانب الخدمة والعمل، ظل الراحل وفيًّا لطلب العلم، لا يراه مرحلة تُنجز ثم تُطوى، بل مسارًا لا ينتهي. حتى وافته المنية وهو في سعيه للمعرفة، وكأن حياته بأكملها كانت رسالة واضحة: أن الإنسان لا يتوقف عن التعلم إلا إذا توقف عن الحياة.

كان خادمًا لدينه بلا ادّعاء، ولوطنه بلا ضجيج، ولمجتمعه بلا انتظار مقابل. لم يسعَ ليُذكر، لكنه ذُكر. لم يطلب الشهادة، فجاءته من أفواه الناس قبل أن تُكتب في الصحف. وتلك هي المكانة التي لا تُمنح، بل تُكتسب.

إن الحديث عن أحمد بن حمد بن حميد المطيري ليس تعداد مناصب، ولا سرد سنوات خدمة، بل هو تذكير بأن الأوطان لا تقوم فقط بالمؤسسات، بل بالرجال الذين يصونونها من الداخل، بقيمهم، بأمانتهم، وبإيمانهم بأن العمل الصادق هو أبقى من كل خطاب.

رحل الجسد، وبقي الأثر.
وما أكثر من يمرون… وما أقل من يُخلِّفون هذا الامتلاء.

رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

المستشار الدكتور فيصل المطيري رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي وسفير الكونغرس الدولية

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *