loader image

مشروع الدولة الغائبة: رؤية المهدي لسودان ماذا بقي | سياسة UN-NEWS

بواسطة
3 Views
مدة القراءة: 8 دقيقة

القاهرة-UN News تحولت الفعاليات السياسية والثقافية التي نظمت إحياء للذكرى الخامسة لرحيل رئيس الوزراء السوداني السابق وزعيم حزب الأمة القومي، الصادق المهدي، من مجرد مناسبات تأبينية إلى منصات حوار فكري وسياسي، طرحت رؤى ومقاربات لمعالجة الأزمة السودانية المتجذرة، والسعي إلى إنهاء الحرب الدائرة عبر تشخيص أسبابها البنيوية، بدل الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها ونتائجها.

وعكست الندوة التي عقدت في العاصمة المصرية القاهرة تحت شعار “نحو مشروع وطني يوحد الأمة السودانية”، من خلال 4 أوراق بحثية، محاولة جادة لاستعادة فكر الصادق المهدي باعتباره مشروعا مفتوحا للنقاش والتطوير، لا إرثا سياسيا مغلقا يتعامل معه بمنطق التقديس.

وقدمت الندوة قراءة متعددة الزوايا للأزمة السودانية الراهنة، جمعت بين التحليل السياسي، والبعد الدستوري، والسياق الإقليمي والدولي.

عقد اجتماعي جديد

وتبنت الندوة، التي ناقشت القضايا السودانية وأزمات الدولة ورؤى المهدي لمعالجتها خلال مسيرته السياسية الممتدة لعقود، الدعوة إلى إقامة دولة مدنية ديمقراطية توافقية، تقوم على سيادة الشعب، واستقلال القضاء، والمواطنة المتساوية، بوصفها مدخلا أساسيا لاستعادة الاستقرار وبناء الشرعية.

وخلصت الندوة، التي شارك فيها سياسيون وخبراء ومسؤولون سابقون، إلى ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد يحدد بوضوح مسؤوليات الدولة تجاه مواطنيها، ويكفل الحقوق الأساسية، ويربط الشرعية السياسية بالأداء الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والسلام العادل والشامل الذي يعالج جذور النزاعات لا مظاهرها، ويعيد دمج المقاتلين في المجتمع، ويؤسس لنظام أمن قومي جديد.

ونادت الندوة ببلورة هوية وطنية جامعة، تستوعب التنوع الثقافي والإثني والديني في السودان، وتحصن البلاد من الاستقطاب والانقسام، مع التأكيد على ضرورة بناء قوات مسلحة مهنية، تحتكر استخدام السلاح، وتعكس التنوع القومي بعدالة، وتستند إلى عقيدة عسكرية تؤمن بالديمقراطية وتخضع للقيادة المدنية المنتخبة.

وفيما يتعلق بسبل وقف الحرب الجارية، دعت الندوة إلى التفاهم مع دول الإقليم والمجتمع الدولي التي تمتلك قدرة على التأثير في أطراف الصراع، ومطالبتها بالابتعاد عن منطق المحاور الإقليمية والدولية، مع اقتراح عقد مؤتمر إقليمي لدول الجوار.

كما اعتبرت مبادرة المجموعة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، فرصة محتملة لوقف نزيف الدم، داعية إلى تطويرها بما يجعلها أكثر توازنا بين طرفي الحرب.

وعلى صعيد الأوضاع الداخلية لحزب الأمة القومي، أشارت الندوة إلى أن الحزب يمر بمرحلة حرجة نتيجة الانقسامات وسوء إدارة الخلافات، ما أضعف مؤسساته ودوره السياسي، ودعت إلى إعادة بناء الحزب من الداخل، وتوحيد تياراته، وتفعيل آليات المصالحة الداخلية، وتطبيق أدوات الضبط والمساءلة، وإقرار ميثاق سياسي وأخلاقي يجرم التخوين والإقصاء، تمهيدا لما وصفته بـ”التأسيس الرابع” للحزب.

لا سلام بلا عدالة

وقدم وزير المالية السوداني السابق إبراهيم البدوي ورقة بعنوان “مشروع الإمام من أجل بناء ديمقراطي مستدام”، تجاوز فيها التناول التقليدي لشخصية الصادق المهدي، وطرحها بوصفها مشروعا فكريا وسياسيا متكاملا، سعى إلى تأسيس نموذج ديمقراطي سوداني قادر على الصمود أمام الانقلابات العسكرية، والتشظي الاجتماعي، وأزمات الدولة الوطنية.

وانطلقت الورقة من فرضية مفادها أن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة نظم حكم متعاقبة أو انتخابات سياسية، بل أزمة نموذج دولة فشل تاريخيا في إدارة التنوع، وتحقيق العدالة، وربط الديمقراطية بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وفي الوقت نفسه، لم تتجاهل الورقة إخفاقات التطبيق، إذ أقر البدوي بأن مشروع المهدي ظل في كثير من جوانبه حبيس النخب، ولم يتحول إلى برنامج جماهيري واسع، بفعل هيمنة المؤسسة العسكرية، وضعف الأحزاب، وتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية.

أما الورقة الثانية، التي قدمها الباحث والناشط السياسي مصطفى صالح تحت عنوان “لا سلام بلا عدالة”، فقد تناولت رؤية الصادق المهدي للسلام بوصفه مشروعا تأسيسيا لإعادة بناء الدولة السودانية، وليس مجرد تسوية سياسية أو إجراء أمني لوقف إطلاق النار.

وترتكز الورقة على فرضية أن أزمة السلام في السودان هي في جوهرها أزمة عدالة، وأن كل المحاولات التي فصلت بين المسارين انتهت إلى إعادة إنتاج العنف وعدم الاستقرار. واستعرضت تجارب اتفاقيات السلام السودانية، معتبرة أنها جسدت نموذج “السلام الأدنى”، الذي ينجح مؤقتا في تجميد العنف، لكنه يفشل في إغلاق أبواب الحرب.

ورأت الورقة أن الخلل الجوهري في تلك الاتفاقيات يكمن في تعاملها مع الصراع باعتباره أزمة أمنية طارئة، لا نتيجة لبنية تاريخية من التهميش، وسوء توزيع السلطة والثروة، والإقصاء الاجتماعي والثقافي. كما ناقشت مفهوم العدالة الترميمية باعتباره مكملة للعدالة الانتقالية، ووسيلة لإعادة بناء النسيج الاجتماعي وترميم العلاقات بين المكونات المتصارعة.

التأسيس الرابع

وناقشت الورقة التي قدمها مساعد رئيس حزب الأمة، عبد الحليم عيسى تيمان، تحت عنوان “الأزمة السودانية: سلام واستقرار في محيطه وعالمه”، تداخل الأزمة السودانية مع محيطها الإقليمي والدولي، معتبرة أن الحرب والانقسام الداخليين لم يعودا شأنا محليا صرفا، بل جزءا من شبكة معقدة من المصالح والتدخلات.

وشددت الورقة على أن أي مشروع للسلام والاستقرار في السودان يجب أن يراعي البعد الخارجي دون التفريط في السيادة الوطنية، وأن يستند إلى رؤية سياسية متماسكة تستلهم فكر الصادق المهدي في الانفتاح المتوازن وعدم الارتهان للمحاور.

وفي الورقة الأخيرة حول “التأسيس الرابع لحزب الأمة”، التي قدمها الباحث ورجل الأعمال أسامة سيد أحمد الريح، جرى استعراض رؤية المهدي لإعادة بناء الحزب، بهدف تجاوز أزمة الأحزاب التقليدية واستعادة دورها في قيادة التحول الديمقراطي.

وتناولت الورقة أزمة حزب الأمة بين تيارات متعددة، معتبرة أن الخلل لا يقتصر على الخلافات السياسية، بل يمتد إلى البنية التنظيمية، والديمقراطية الداخلية، وطبيعة العلاقة بين القيادة والقواعد.

وأوضحت أن التأسيس الجديد لا يعني قطيعة مع الإرث التاريخي للحزب، بل إعادة قراءته وتحديثه عبر تعزيز المؤسسة، وتوسيع المشاركة، وتجديد الخطاب السياسي، وربط الحزب بقضايا الأجيال الجديدة وقوى الثورة.

مريم الصادق المهدي: الوحدة المدنية شرط أساسي للحكم (الجزيرة)

رسائل سياسية

وفي فعالية أخرى، عقدت بمقر نقابة الصحفيين المصريين بالقاهرة مطلع العام الجديد، بحضور واسع من سياسيين سودانيين ومصريين، شددت وزيرة الخارجية السابقة ونائبة رئيس حزب الأمة، مريم الصادق المهدي، على أن الوحدة المدنية شرط أساسي للحكم، داعية إلى الاتفاق على حد أدنى وطني جامع يقوم على وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإقامة دولة مدنية ديمقراطية، وجيش مهني واحد يخضع لسلطة دستورية.

ووجهت المهدي رسالة إلى حملة السلاح، أكدت فيها أن الحرب الجارية لم تعد حرب قضية أو مظالم أو إصلاح دولة، بل حرب تفكك تغذيها الحسابات الضيقة والعصبيات القبلية والجهوية والتدخلات الخارجية، ووهم الحسم بالقوة.

كما وجهت رسالة إلى الجيش، مؤكدة أنه مؤسسة وطنية عريقة تقوى حين تحمي الدستور، وتضعف حين تحكم، وأن دوره الأساسي هو حماية البلاد لا إدارتها. ووجهت رسالة مماثلة إلى قوات الدعم السريع، معتبرة أن أي قوة لا تخضع للقانون ولا تندمج في جيش قومي مهني تتحول، مهما حسنت نواياها، إلى عبء دائم على المجتمع.

من جانبه، أعرب نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير صلاح حليمة عن أمله في التوصل إلى تسوية شاملة للأزمة السودانية، مؤكدا أهمية التوافق بين جميع مكونات المجتمع، وتشكيل حكومة مدنية انتقالية تمهد لدستور دائم وانتخابات شفافة، مع وجود جيش مهني واحد، وفك الارتباط بين القوات العسكرية والمكونات السياسية، بحيث تكون العملية السياسية ملكا خالصا للسودانيين دون إملاءات خارجية.

شبكة الأخبار المتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مستقلة تقدّم أخباراً موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى إلى تعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.

للمزيد من الأخبار يمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
https://un-news.org

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *