23/4/2026
لعقود، تعتمد القارة الأوروبية على الحماية النووية وشراكتها مع الولايات المتحدة، لكن تقلبات الحرب الروسية على أوكرانيا وحرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران تظهر تحولاً سريعًا في المشهد، حيث تصل تداعيات نار الشرق الأوسط إلى عواصم أوروبا.
لم تعد حرب إيران بالنسبة لأوروبا مجرد صراع إقليمي بعيد، بل تحولت إلى كابوس اقتصادي وأمني مباشر. لخصت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين هذا الأمر في بروكسل يوم 13 أبريل/نيسان الجاري، مؤكدةً أن استقرار القارة أصبح مستحيلًا طالما استمر الصراع في الشرق الأوسط. أوروبا اليوم تدفع ثمنًا باهظًا، يتجلى في ارتفاع جنوني في أسعار الطاقة، وتهديدات بتدفق موجات جديدة من اللاجئين، وخوف من استنزاف أنظمة الدفاع الجوي المطلوبة للتكيف مع روسيا في أي مواجهة محتملة.
دفعت هذه الصدمة العواصم الأوروبية لاتخاذ موقف موحد في رفض الانجرار لخطة حرب بدأها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب دون استشارتهم. تحت شعار “ليست حربنا”، رفض الأوروبيون إرسال سفنهم لفتح مضيق هرمز عسكريًا، مستذكرين تجربة احتلال العراق.
روسيا يجب ألا تكون الرابح
في منتصف حرب الشرق الأوسط، برز قلق ألماني عميق بشأن “المستفيد الخفي”. وزير المالية الألماني لارس كلينغبايل حذر يوم الخميس من أن روسيا هي الرابح الأكبر من حرب إيران، حيث تنمو اقتصادها بفضل اشتعال أسعار النفط الخام وتحولها إلى مزود طوارئ بعد إغلاق مضيق هرمز.
كلينغبايل، في بيان مشترك مع وزيري مالية أوكرانيا والنرويج، شدد على ضرورة “عدم إغفال دعم أوكرانيا”، محذراً من أن التضامن مع كييف يجب ألا يتراجع أمام هيمنة الملف الإيراني على اجتماعات صندوق النقد الدولي. ترى الحكومة الألمانية أن إعفاء واشنطن لمشتري النفط الروسي من العقوبات -كإجراء عاجل لخفض ضغط أسعار الوقود- يمنح موسكو شريانًا حياتيًا ماليًا. الرسالة الألمانية واضحة: “ينبغي ألا تكون روسيا الرابح”، لأن ذلك سيعني تضعيف الأمن الأوروبي على المدى القصير والعالي.
رفع أعداد الجيوش
التحول الأبرز في “القارة العجوز” هو الانتقال من عقيدة “الدفاع السلمي” إلى “الاستعداد للحرب”. يقود هذا التحول وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، الذي أعلن أن هدف الوصول إلى 460 ألف جندي (نظامي وحوالي) هو مجرد “اتجاه” وليس “سقفًا نهائيًا”.
لعقود، كانت ألمانيا تحتفظ على القوة العسكرية، لكنها اليوم تزيد أعداد جنودها بوتيرة متسارعة. ارتفع العدد من 180 ألفًا إلى أكثر من 186 ألفًا في وقت قياسي.
لا يقتصر التحول العسكري على ألمانيا، فضغطًا مباشرًا من إدارة ترمب، يواجه الأوروبيون التزامًا بتخصيص 5% من الناتج المحلي للإنفاق العسكري، مما يعني ضخ نحو تريليون يورو إضافي سنويًا. ورغم هذه الأرقام الضخمة، تحذر دراسة من “معهد كيل للاقتصاد العالمي” من أن هذا الإنفاق الضخم لم يتم ترجمته بعد إلى “جاهزية قتالية حقيقية”، حيث تظل المصانع الأوروبية عاجزة عن مطابقة وتيرة الإنتاج الروسي، مما يبقي القارة في حالة اعتماد “قسري” على السلاح الأمريكي.

الناتو على حافة الهاوية
دخل حلف “الناتو” منطقة اضطراب شديدة مع تهديد ترمب الصريح بالانسحاب أو تقليص الحماية، واصفًا الحلف بأنه “نمر من ورق” فشل في دعم حربه ضد إيران. لكن هذا التهديد قوبل برد أوروبي، حيث أكدت باريس وبرلين ولندن أن الناتو تحالف دفاعي لأمن الأطلسي وأوروبا، ولا يُشكل لتنفيذ عمليات تنتهك القانون الدولي.
ترى العواصم الأوروبية أن تهديد ترمب بـ”طلاق أطلسي” يتجاهل حقيقة أن القارة تستضيف 275 موقعًا عسكريًا أمريكيًا يشكل “رأس حربة” النفوذ الأمريكي عالميًا.
يضع هذا الصدام حلف الناتو أمام خيارين: إما الخضوع لنداءات البيت الأبيض والمخاطرة بحرب إقليمية واسعة، أو التقدم نحو “أوروبا العسكرية” التي تبحث عن استقلالية بعيدًا عن “تقلبات واشنطن”.
ناتو “أكثر أوروبية”
في ظل هذه الأزمات، تبلورت في “مؤتمر ميونخ للأمن”، الذي عُقد في فبراير/شباط الماضي، ملامح نظام أمني جديد يميل لأن يكون “أكثر أوروبية”. وصل القادة الأوروبيون إلى قناعة بأن المظلة الأمريكية لم تعد مضمونة، وأن “الاستقلال الإستراتيجي” بات ضرورة للبقاء.
قدم المستشار الألماني فريدريش ميرتس في خطابه “دفعًا قويا للغاية باتجاه ناتو أكثر أوروبية”. أبدى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر رغبة في علاقات أوثق مع أوروبا والاتحاد الأوروبي، والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تحدث عن دفاع أوروبي، وليس مجرد دفاع للاتحاد الأوروبي، بل هو دفاع أكثر شمولًا يضم دولًا مثل النرويج وتركيا والمملكة المتحدة.
تُمثل هذه المواقف خطوات جيدة للتقارب بين الدول الأوروبية لصالح الدفاع الأوروبي، لكنها تصطدم بعوائق يجب التغلب عليها، تتمثل في أن فرنسا والمملكة المتحدة تواجهان أوضاعًا مالية سيئة تحد من قدرتهما الاستثمارية في الدفاع، وفقًا لبيانات المديرة العامة للمعهد الملكي للخدمات المتحدة راشيل إليس.
بدأت ألمانيا تنفيذ “خطة 2035” للتحول إلى القوة العسكرية الرئيسية في القارة، مع إعفاء الإنفاق العسكري من القيود المالية الصارمة للاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، تبرز فجوة الإنتاج الصناعي كعائق رئيسي؛ فبينما تنتج روسيا 7 ملايين قذيفة مدفعية، لا تزال أوروبا مجتمعة عاجزة عن تجاوز مليوني قذيفة.
يعزز هذا الواقع وجهة النظر القائلة بأن القارة لا تزال بحاجة إلى الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والتفوق الجوي، مما يجعل “الاستقلال الكامل” هدفا بعيد المنال في المدى المنظور.

وفي هذا المشهد المعقد، تبرز تركيا كلاعب محوري يحاول الحفاظ على التوازنات، فحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أمس الأربعاء، من أن الحرب في الشرق الأوسط بدأت تضعف أوروبا، مضيفًا أنه إذا لم يتم احتواء الأزمة بالوصول إلى اتفاق سلام، فإن الضرر الناجم عن النزاع سيكون أكبر بكثير. ولعبت أنقرة منذ اندلاع الحرب دورًا دبلوماسيًا لاحتواء الصراع ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب شاملة، وتعمل على التوازن بين عضويتها في الناتو ومصالحها الإقليمية، وتحذر في الوقت نفسه من أن “عسكرة أوروبا” المفرطة دون رؤية سياسية قد تسرّع وتيرة الصدام مع موسكو.
مستقبل الأمن في القارة العجوز
لقد غيرت -أو توشك أن تفعل- تداعيات الحرب في الشرق الأوسط ومن قبلها الحرب الأوكرانية من مستقبل أمن أوروبا، الذي بات معلقًا بين رغبتها في السيادة العسكرية وواقعها الصناعي. أوروبا تودع اليوم عصر “الرفاهية” لتدخل عصر “الاستعداد الدائم”.
فالخطر لا يأتي من تهديد روسي محتمل من الشرق فقط، بل من تفكك الأطلسي غربًا أيضًا. وإذا نفذ ترمب تهديده بالانسحاب، ستجد أوروبا نفسها مضطرة لملء فراغ أمني هائل بتكلفة قد تلتهم ميزانيات الرعاية الاجتماعية.
شبكة الأخبار المتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مستقلة تقدّم أخباراً موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى إلى تعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
للمزيد من الأخبار يمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
https://un-news.org

