إقرأ الان
إشعارات

الإنجليزية تتقدم في المدارس.. قرار جزائري يُعيد الجدل حول مكانة الفرنسية

بواسطة
مدة القراءة: 6 دقيقة

الجزائر تُعيد ترتيب تعليم اللغات الأجنبية.. الإنجليزية تتقدم للصفوف الأولى والفرنسية تتأخر عامًا

أعادت الحكومة الجزائرية رسم خريطة تعليم اللغات الأجنبية بالمرحلة الابتدائية، بعدما قررت منح اللغة الإنجليزية الأولوية في السنة الثالثة، مع تأجيل تدريس الفرنسية للسنة الرابعة، في خطوة تصفها السلطات بأنها إصلاح تربوي يستهدف تحسين اكتساب اللغات، إلا أنها في الوقت ذاته أعادت إشعال النقاش حول مُستقبل اللغة الفرنسية بالجزائر، ودلالات التوجه المُتزايد نحو الإنجليزية بوصفها لغة العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد العالمي.

تغيير في ترتيب التدريس لا إلغاء للفرنسية

أعلنت وزارة التربية الوطنية أن القرار سوف يدخل حيز التنفيذ مع انطلاق الموسم الدراسي 2026-2027م، حيث سيبدأ تلاميذ السنة الثالثة الابتدائية دراسة اللغة الإنجليزية فقط، على أن تُدرَّس الفرنسية إلى جانبها بدايةً من السنة الرابعة.

ولا يعني هذا الإجراء استبعاد الفرنسية من المناهج التعليمية، ولكن تأجيل بدء تدريسها عامًا واحدًا، بعدما كانت تُدرَّس تزامنًا مع الإنجليزية في السنة الثالثة منذ إدراج الأخيرة ضمن التعليم الابتدائي عام 2022م.

وأوضحت الوزارة أن هذا التعديل يأتي في إطار مُقاربة تستهدف تحسين تعلم اللغات الأجنبية، إلى جانب مُواصلة تعزيز حضور الإنجليزية داخل الشعب العلمية والتكنولوجية. وإلى الآن لم تكشف الوزارة عن تفاصيل تتعلق بحجم الساعات أو طبيعة الكتب والمناهج التي سوف تُعتمد لتطبيق النظام الجديد.

أبعاد تربوية تتجاوز قاعات الدراسة

يرى مؤيدو القرار أن تدريس لغتين أجنبيتين في الوقت ذاته لتلاميذ لا تتجاوز أعمارهم ثماني سنوات يُشكل عبئًا إضافيًا على المُتعلمين في مرحلة تأسيسية، مُعتبرين أن تخصيص عام كامل للإنجليزية قبل إدخال الفرنسية قد يمنح الأطفال فرصة أفضل لاكتساب مهارات القراءة والنطق بشكل أكثر رسوخًا.

إلا أن أبعاد القرار لا تقتصر على الجانب التربوي، إذ يحمل أيضًا دلالات رمزية تخص مكانة اللغتين داخل المُجتمع الجزائري. ففي حين تطرح السلطات الإنجليزية بوصفها لغة المستقبل والبحث العلمي والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، لا تزال الفرنسية بالنسبة لشريحة واسعة مُتعلقة بتاريخ الاستعمار الفرنسي، إلى جانب استمرار نفوذها الثقافي والإداري والاقتصادي.

ويأتي هذا التعديل امتدادًا لمسار بدأ قبل سنوات، مع إدراج الإنجليزية بالتعليم الابتدائي عام 2022م، ثم التوسع بشكل تدريجي في استخدامها داخل الجامعات والتخصصات العلمية. وخلال العام الجامعي 2025م، شرعت السلطات في تعزيز تدريس الإنجليزية داخل كليات الطب، توازيًا مع إطلاق برامج لتكوين الأساتذة وإعداد مراجع جامعية باللغة الإنجليزية في إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع حضورها في التعليم العالي.

الفرنسية تحتفظ بحضورها رغم التراجع الرسمي

على الرغم من التوجه الرسمي المُتزايد نحو الإنجليزية، لا تزال الفرنسية تحتفظ بمكانة مؤثرة داخل الجزائر حتى وإن لم تكن اللغة الرسمية. فهي لا تزال مُستخدمة على نطاق واسع في قطاعات الإدارة والاقتصاد والطب والإعلام والتعليم العالي، كما تتداخل مع العربية الجزائرية والأمازيغية في كثير من مظاهر التواصل اليومي.

وتشير تقديرات المُنظمة الدولية للفرنكوفونية لوجود نحو 15 مليون مُتحدث بالفرنسية في الجزائر، مما يجعلها من أكبر المُجتمعات الناطقة بهذه اللغة في العالم، رغم أن البلاد ليست عضوًا في المنظمة.

كما تعكس حركة الطلبة الجزائريين الراغبين في استكمال دراستهم بالخارج استمرار النفوذ الأكاديمي للفرنسية، إذ أظهرت بيانات نقلتها صحيفة “لوموند” أن حوالي 68% من الطلاب الجزائريين الذين توجهوا للدراسة خارج البلاد في عام 2024م اختاروا فرنسا، مقابل 5% تقريبًا توجهوا إلى كندا و2% فقط إلى بريطانيا. كذلك حصل أكثر من 8350 طالبًا جزائريًا على تأشيرات دراسية فرنسية في عام 2025م، بزيادة بلغت 16% تقريبًا مُقارنةً بالعام السابق.

رهان على الإنجليزية واختبار لقدرة التنفيذ

تراهن الجزائر على توسيع استخدام الإنجليزية لفتح آفاق أكبر أمام طلابها في مجالات البحث العلمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والأسواق الدولية، بعد أن بدأت المرحلة الأولى من تدريسها في الابتدائي بحصتين أسبوعيًا، مدة كل منهما 45 دقيقة لتلاميذ السنتين الثالثة والرابعة قبل التوسع تدريجيًا في البرنامج.

كما أعلنت وزارة التعليم العالي خلال السنوات الماضية عن برامج تأهيل آلاف الأساتذة باللغة الإنجليزية، بهدف تقليص الفجوة بين التوجه الرسمي والإمكانات البشرية اللازمة لتنفيذه.

ومع هذا، يظل نجاح هذا التحول مرهونًا بعوامل تتخطى مُجرد تعديل المناهج أو تغيير لغة التدريس، إذ يتطلب توفير كوادر تعليمية مؤهلة، وإعداد مناهج حديثة ومصطلحات علمية مُوحدة، إلى جانب ضمان عدم اتساع الفجوة التعليمية بين مدارس المدن والمناطق النائية.

وعلى الرغم من أن الفرنسية لا تبدو في طريقها للاختفاء من المشهد التعليمي والاجتماعي بالجزائر، فإن موقعها بوصفها اللغة الأجنبية الأولى لم يعد محسومًا كما كان سابقًا. فالقرار الجديد يمنح الإنجليزية أفضلية زمنية ورمزية داخل المدرسة، بينما تواصل الفرنسية الاحتفاظ بحضورها الواسع في المجالات الأكاديمية والاقتصادية والاجتماعية. وفي النهاية، سوف يظل معيار النجاح الحقيقي مُتعلقًا بقدرة المنظومة التعليمية على تحويل هذا التوجه لكفاءة لغوية حقيقية، دون الإضرار بإتقان الفرنسية أو تحميل التلاميذ أعباء انتقال لغوي غير مكتمل.

شبكة الأخبار المُتحدة – UNN العربية

منصة إعلامية مُستقلة تقدّم أخبارًا موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى إلى تعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.

للمزيد من الأخبار يمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:

https://un-news.org

اسم الكاتب: المُستشار فيصل المُطيري.

تاريخ النشر: 26 يوليو 2026م.

تاريخ التحديث: يوليو 2026م.

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *