بقلم:
المستشار الدكتور / فيصل المطيري
رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي
سفير الكونغرس الدولي
باحث القانون الدولي جامعة كامبريدج
تتوارى الأسماء وتتلاشى عناوين المناصب مع مرور الأيام، كأوراق باهتة في أرشيف الزمن؛ لكن أثر الرجال الأوفياء يظل عصياً على النسيان، محفوراً في صخرة الذاكرة الوطنية بماء الذهب.
وحين ترجل عن صهوة الحياة العسكرية اللواء محمد بن عايش المطيري -مدير شرطة منطقة الرياض الأسبق- لم تكن طيّه لصفحة سبعة وثلاثين عاماً من البذل مجرد غياب لرجل أمن قضى زهرة عمره مرتدياً نياشين الشرف؛ بل كان رحيلاً لقصة وفاء نادرة، خطّ فصولها قائدٌ أدرك بفطرته السليمة أن “هيبة الدولة” ليست عبارات صماء، وأن
*الكرامة الإنسانية*ليست شيئا يمكن تجاوزه.
هذه المعادلة الصعبه.. حين يلين الحزم بلا ضعف
خلال مسيرة مديدة تنقل فيها “أبو خالد” بين ثغور أمنية جسيمة، من دهاليز الشرطة ، مروراً بصرامة المباحث العامة وصولاً إلى قوات الأمن الخاصة ثم قمة العمل الامني في قيادة شرطة اكبر منطقة في المملكة العربية السعودية منطقة الرياض ، واجه الحقيقة التي يتعثر فيها الكثيرون: **كيف تكون حازماً من غير غلظة، وعادلاً من غير تفريط في حقوق الدوله والمواطن ؟**
لم يرضَ يوماً بأن يكون “موظف إجراءات”
، يكتفي بالتطبيق الحرفي للإجراءات ويقتل روح النظام والمسؤولية وقد أيقن بقلبه العارف أن روح القانون وُصِلت أصلاً لحماية الإنسان وصون حقوقه، لا لتقييده وإذلاله. وكان من نوادر القادة الذين يمشون على خط رفيع ودقيق؛ خطّ يقف فيه بحزم أمني لا يساوم على أمن الوطن، و في نفس اللحظة قلب حانٍ يدرك أبعاد وجع المواطن وظروفه الخاصة.
*حين تقف أمام إنسان يكسره الظرف، تصبح الحكمة والرحمة هما الطريق الأقوم لإنفاذ العدالة الحقيقية، هكذا كان يعيش مسؤولياتّه*
الأمن الحقيقي.. مظلة وطن لا عصا جلاد
في مدرسة الولاء محمد بن عايش المطيري، لم تكن خدمة المواطن نقيضاً أبداً للعمل الأمني؛ بل كانت هي غايته القصوى، وجوهر وجوده من الأساس. فالأنظمة والاسحله ما وُضعت إلا لحراسة استقرار الإنسان وطمأنينته.
كان يمتلك بوصلة داخلية نادرة التوجيه؛ يعرف متى يتطلب الموقف صرامة حديديه لا تحتمل التردد، ومتى يستدعي الأمر نزع كبرياء المسؤولية جانباً، والإنصات العميق لنبض الشارع ودمعة المحتاج، محققاً بذلك تلك المعادلة الصعبة:
*الأمن الناعم في ظاهره القوي في جوهره، القريب جداً من الناس دون إخلال بذرة واحدة من أمانة الدولة*
*الأثر الذي لا يموت*
لم يُعرف الرجل بسجل مناصبه الرسمية فحسب، بل عرفته مجالس الرجال بسلامة السريرة، وعفة اللسان، وطيب المعشر، وبقا أثره في نفوس من تشرفوا بالعمل معه أو لجوء إليه. لقد أثبت بفعله قبل قوله أن الكراسي تزول، والترقيات تنتهي، والسنوات تطوى ،لكن صنيع الإحسان وإنقاذ المظلوم وتفريج كربة الملهوف.. هي وحدها التي تبقى خالدة واليوم تترحم عليها الألسن وتدعو له القلوب.
اليوم، إذ نودعه إلى دار القرار، فإننا لا نودع مجرد ضابط أمن سابق، بل نودع مدرسة الضمير الحي، ونموذجاً فريداً لرجل الدولة الذي استطاع أن يلخص عقوداً من الخدمة في عبارة واحدة: *لقد أحب وطنه، فأحبه الوطن، وترك في قلوب أبناء الوطن أثراً لا يمحوه الغياب.*
رحم الله اللواء محمد بن عايش المطيري، رحمتاً الواسعة، وجزاه عن أمن هذا الوطن وكرامة أبنائه خير الجزاء، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان.

رحمه الله رحمة واسعة وأدخله الفردوس الأعلى يارب العالمين