إقرأ الان
إشعارات

من التربة للدماغ.. العلم يُفسر تفاوت الإحساس بالزلازل

بواسطة
مدة القراءة: 6 دقيقة

أثار الزلزال الذي شعر به سكان القاهرة ومجموعة من المحافظات المِصرية حالة واسعة من الجدل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أكد كثيرون أنهم شعروا بالهزة الأرضية بوضوح، في حين أشار آخرون إلى أنهم لم يُلاحظوا أي اهتزاز، على الرغم من وجودهم في المدينة ذاتها أو حتى في أحياء مُتقاربة.

ويرى علماء الزلازل أن هذا التفاوت في الإحساس بالهزات الأرضية أمر طبيعي ومُتكرر الحدوث، إذ لا يرتبط الشعور بالزلزال بقوته وحدها، بل تحكمه مجموعة من العوامل الجيولوجية والهندسية والبيولوجية تبدأ من طبيعة التربة التي تنتقل خلالها الموجات الزلزالية، مرورًا بتصميم المباني وارتفاعها، وصولاً لكيفية استجابة الدماغ والجهاز العصبي للاهتزازات.

الموجات الزلزالية والتربة والمباني.. عوامل تُحدد شدة الإحساس

عند وقوع أي زلزال، تنتشر الموجات الزلزالية في ختلف الاتجاهات إلا أنها لا تصل إلى شتى المناطق بالدرجة ذاتها، إذ تختلف سرعتها وشدتها حسب نوع الصخور والتربة التي تعبر خلالها. ولهذا السبب قد يشعر سكان منطقة بعينها بهزة أقوى من سكان منطقة مجاورة، ولكن قد يختلف مستوى الاهتزاز بين شارعين داخل نفس المدينة، حسبما وضحت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية (USGS).

وتعتبر طبيعة التربة من أبرز العوامل التي تؤثر في الشعور بالزلزال، فالرواسب الطينية والرملية الرخوة تعمل على تضخيم الموجات الزلزالية، في حين تقل تلك الظاهرة في المناطق القائمة على الصخور الصلبة، وهي حالة معروفة علميًا باسم “تضخيم التربة”. وتشير دراسات صادرة عن هيئة المسح الجيولوجي البريطانية (BGS) والمركز الألماني لأبحاث علوم الأرض (GFZ) إلى أن هذا العامل قد يُضاعف شدة الاهتزاز في بعض المواقع مُقارنةً بمناطق قريبة منها.

ولا تتوقف المسألة عند طبيعة الأرض فقط، فالمباني نفسها تتفاعل مع الزلازل بشتى الطرق. فالأبراج والمباني المُرتفعة تميل للتأرجح بدرجة أكبر من المباني المُنخفضة، لذلك عادةً ما يشعر سكان الطوابق العليا بالهزات بصورة أوضح من الموجودين في الأدوار السفلية. كما تؤثر مواد البناء ومرونة الهيكل الإنشائي والتصميم الهندسي للمبنى في مقدار الاهتزاز الذي ينتقل إلى داخله وفقًا لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

النشاط اليومي واستجابة الدماغ يُفسران اختلاف التجربة

بالإضافة إلى العوامل الجيولوجية والهندسية، يؤدي النشاط الذي يُزاوله الشخص لحظة وقوع الزلزال دورًا مهمًا في تحديد مدى شعوره به. فالشخص الجالس أو المُستلقي داخل مكان هادئ يكون أكثر قُدرة على ملاحظة الاهتزازات، في حين قد لا ينتبه إليها من يقود سيارة أو يسير في الشارع أو يُمارس نشاطًا بدنيًا، لأن الحركة المُحيطة به قد تخفي تأثير الهزة، كما أن النوم العميق قد يمنع بعض الأشخاص من الشعور بالزلازل القصيرة أو مُتوسطة الشدة.

وتؤثر أيضًا المسافة الفاصلة بين الشخص ومركز الزلزال إلى جانب عمق البؤرة الزلزالية في قوة الشعور بالهزة الأرضية. فالزلازل الضحلة والقريبة في الغالب تكون أكثر تأثيرًا من زلازل أشد قوة تقع على أعماق كبيرة أو على مسافات بعيدة، حسب برنامج مخاطر الزلازل التابع لهيئة المسح الجيولوجي الأميركية.

ويؤكد الباحثون أن الجهاز العصبي البشري لا يستجيب للاهتزازات بالشكل نفسه لدى جميع الأشخاص، إذ يتمتع بعض الأفراد بحساسية مُرتفعة للموجات الدقيقة، بينما يحتاج آخرون لاهتزازات أقوى حتى يلاحظوها. كما تؤثر عوامل كالتركيز ومستوى الضوضاء والإجهاد والحالة النفسية في قُدرة الدماغ على تفسير الإشارات القادمة من أعضاء الاتزان والحواس، وهو ما أشارت إليه أبحاث الجمعية الزلزالية الأميركية (SSA).

وفي بعض الحالات لا يشعر الإنسان بحركة الأرض بشكلٍ مُباشر، لكنه قد يُعاني الدوار أو الغثيان أو فقدان الاتزان، نتيجة لتأثر الجهاز المسؤول عن التوازن في الأذن الداخلية بالموجات الزلزالية، وهي ظاهرة وثقتها دراسات المعهد الوطني الإيطالي للجيوفيزياء والبراكين (INGV) وأبحاث مُتخصصة تناولت تأثير الزلازل في الجهاز العصبي.

ويُشدد الخبراء على أن اختلاف استجابة الأشخاص للهزات الأرضية يعكس تفاعلًا مُعقدًا بين خصائص الزلزال وطبيعة التربة وتصميم المبنى وموقع الشخص ونشاطه وقت حدوث الهزة، بالإضافة إلى الفروق الفردية في استجابة الجهاز العصبي، وهو ما يفسر تلقي مراكز رصد الزلازل بعد كل هزة آلاف البلاغات من أشخاص شعروا بها، في مُقابل آخرين يُؤكدون أنهم لم يلحظوا أي اهتزاز.

وكان زلزال بلغت قوته 5.6 درجات قد ضرب مِصر فجر يوم الاثنين، وشعر به سكان القاهرة والجيزة ومجموعة من المحافظات، حسب المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، الذي أوضح أن مركزه وقع على بعد 38 كيلومترًا من مدينة السويس الساعة 03:01 صباحًا بالتوقيت المحلي. وقدر المركز الأوروبي المتوسطي لرصد الزلازل أن نحو 66 مليون شخص كانوا ضمن نطاق الشعور بالهزة.

وفي أعقاب الزلزال، أعلنت محافظة القاهرة رصد أول الأضرار الميدانية، والمُتمثلة في سقوط جزئي بعقار مكون من أربعة طوابق بمنطقة روض الفرج، مؤكدة إجلاء ثلاث أسر كانت تقطن بالمبنى بشكل احترازي ونقلها للإقامة لدى ذويها، مع تأمين الموقع بالكامل، دون تسجيل أي إصابات أو وفيات، واستمرار أعمال المُتابعة الميدانية للتأكد من سلامة المباني والمنشآت.

شبكة الأخبار المُتحدة – UNN العربية

منصة إعلامية مُستقلة تُقدّم أخبارًا موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى لتعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهُم بين الشعوب.

للمزيد من الأخبار يُمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:

https://un-news.org

اسم الكاتب: المُستشار فيصل المُطيري.

تاريخ النشر: 3 أغسطس 2026م.

تاريخ التحديث: أغسطس 2026م.

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *