بين الدبلوماسية والتصعيد.. كيف توظف إيران عامل الوقت في مواجهة واشنطن؟
تتواصل حالة الشد والجذب بين الولايات المُتحدة وإيران في إطار تصاعُد التوتر الإقليمي، وسط تبادل الاتهامات فيما يتعلق بمستقبل المسار التفاوضي. فبينما تتهم واشنطن طهران بانتهاج سياسة “الخداع” والمراوغة، تؤكد إيران مواصلة الاتصالات غير المُباشرة عبر سلطنة عُمان، ما يعكس استمرار قنوات التواصل رغم احتدام المواجهة السياسية والعسكرية.
وفي خضم هذا المشهد يبرز مضيق هرمز بوصفه أحد أهم أوراق الضغط التي تمتلكها طهران في مواجهة الضغوط الأميركية. وفي قراءة للمشهد خلال برنامج “التاسعة” على سكاي نيوز عربية، اعتبر الخبير في الشؤون الإيرانية “عارف نصر” أن الازدواجية والمُماطلة تمثلان الركيزتين الأساسيتين في الاستراتيجية الإيرانية لإدارة الصراع بالولايات المُتحدة، لافتًا إلى أن طهران تُراهن على استنزاف خصومها أكثر من سعيها لحسم سريع للأزمة.
ازدواجية الخطاب واستراتيجية الاستنزاف
يرى “نصر” أن السياسة الإيرانية الراهنة تقوم على إدارة مُتوازية لعدة مسارات؛ إذ تستخدم طهران خطابًا موجهًا للولايات المُتحدة، وآخر مُختلفًا عند التعامل مع الوسطاء، بينما تأتي تحركاتها العسكرية والميدانية في كثير من الأحيان على خلاف رسائلها الدبلوماسية.
ويصف هذا النهج كونه امتداد لما يُعرف باستراتيجية “الرجل المجنون”، التي تقوم على إقناع الخصم بأن خيارات طهران غير قابلة للتنبؤ، في مُحاولة لتعزيز قدرتها على المناورة. ويعتقد أن القيادة الإيرانية تنظر للمفاوضات باعتبارها أداة لإدارة الضغوط وليس للوصول لتسوية نهائية، انطلاقًا من قناعة أن واشنطن تستخدم بدورها التفاوض كوسيلة لاحتواء الأزمة وزيادة الضغط السياسي والعسكري.
ويؤكد “نصر” أن تلك المُقاربة ليست وليدة اللحظة، ولكنها تمتد للعقيدة التي ارتبطت بقائد “فيلق القدس” السابق “قاسم سليماني” والتي حظيت -وفق تقديره- بدعم المرشد الإيراني “علي خامنئي” وتقوم على توسيع دائرة المواجهة كلما تعرضت إيران لضغوط مُباشرة.
ويشرح أن هذه العقيدة تستند لثلاثة محاور رئيسية، أولها إطالة أمد الصراع وتحويل الزمن لعامل استنزاف للخصوم الذين يبحثون عن نتائج سريعة، وثانيها توسيع رقعة المواجهة عن طريق ساحات إقليمية مُتعددة كالعراق واليمن ولبنان، مما يؤدي لتشتيت جهود الخصوم. أما المحور الثالث فيتمثل في الاعتماد على أساليب الحرب غير المُتناظرة، عبر استخدام الصواريخ والطائرات المُسيّرة مُنخفضة التكلفة في مواجهة منظومات عسكرية أميركية مُرتفعة التكلفة، مما يرفع كلفة المواجهة على الطرف الآخر.
ويرى أن الدبلوماسية الإيرانية تحاول في الوقت الراهن المُحافظة على هذا النهج، مع تجنب الانزلاق لمُواجهة شاملة قد تكون نتائجها غير محسوبة.
هرمز.. ورقة الضغط الأخيرة وحدود الخيارات الأميركية
بحسب “نصر” فإن المُماطلة أصبحت بمثابة أداة رئيسية في التحرك الإيراني، إذ تراهن القيادة بطهران على مُتغيرات سياسية قد تعيد رسم المشهد، سواء عبر الانتخابات الإسرائيلية المُقبلة أو الانتخابات النصفية الأميركية، أملاً في تغير موازين القوى والضغوط الداخلية بواشنطن وتل أبيب.
وفي هذا السياق، يعد أن مضيق هرمز أصبح يُمثل الورقة الأكثر تأثيرًا في الحسابات الإيرانية، لا سيما بعد تراجع عدد من أدوات النفوذ الإقليمي. ويستشهد بتصريحات لمسؤولين إيرانيين من بينهم “كاظم غريب آبادي” الذي أكد أن الأزمة الأخيرة أعادت إبراز الأهمية الاستراتيجية للمضيق، بالإضافة إلى تصريحات “محسن رضائي” الذي وصفه بأنه “بمثابة قنبلة نووية بيد إيران”.
ويرى أن طهران تستخدم التلويح بأمن الملاحة البحرية وربط مضيق هرمز بممرات بحرية أخرى كوسيلة لرفع كلفة أي مواجهة عسكرية متوقعة، في مُحاولة لتعزيز أوراقها التفاوضية وإبقاء الضغوط على المُجتمع الدولي.
وفي المقابل، يظن أن الخيارات الأميركية لا تزال تدور بين مسارين رئيسيين؛ أولهما العودة لطاولة التفاوض، وثانيهما استئناف الضربات العسكرية، لافتًا إلى أن الحرس الثوري لا ينظر لهذين الخيارين بوصفهما تهديدًا وجوديًا للنظام.
ويذهب “نصر” إلى أن السيناريو الوحيد القادر على تغيير حسابات طهران يتمثل في احتمال تنفيذ عملية برية واسعة، مُعتبرًا أن هذا الخيار يُمثل “الخط الأحمر” بالنسبة للقيادة الإيرانية لما قد يُسببه من اضطرابات داخلية وانقسامات مُحتملة في إطار التنوع القومي والإثني داخل البلاد، فضلًا عن احتمالات التأثير في تماسك المؤسسة العسكرية.
إلا أنه يُشير في الوقت ذاته إلى أن تنفيذ مثل هذا السيناريو يظل مُعقدًا، في ظل عدم نجاح الولايات المُتحدة إلى الآن في بناء توافق دولي يسمح بالانتقال لهذا الخيار نظرًا لتداعياته السياسية والعسكرية.
وفي تقييمه للمُقاربة العسكرية الأميركية والإسرائيلية، يرى “نصر” أن الضربات الراهنة تركز على الصواريخ والطائرات المُسيّرة ومنظومات الدفاع والرادارات، لكنه يعتبر أن التأثير الأكبر قد يتحقق إذا استهدفت القيادات التي تدير القرارين السياسي والعسكري بإيران، مُشيرًا إلى أن جزءًا كبيرًا من القُدرات الاستراتيجية الإيرانية يتمركز داخل منشآت مُحصنة يصعب تدميرها عبر الغارات الجوية فقط.
ويختتم “نصر” قراءته بالقول إن واشنطن تبدو حريصة على تجنب تكرار تجربتي العراق وأفغانستان، وتتجه بدلًا من هذا لإدارة مواجهة تعتمد بشكلٍ أكبر على استثمار التناقضات الداخلية داخل إيران. ويرى أن استهداف مواقع بمنطقة الأحواز، ولا سيما المُتعلقة بالقوات البرية قد يعكس مؤشرات على الاستعداد لسيناريوهات ميدانية شتى تترافق مع ضغوط داخلية مُتزايدة على النظام الإيراني، مع التأكيد أن هذه القراءة تظل في إطار التحليل السياسي والعسكري لتطورات المشهد.
شبكة الأخبار المُتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مُستقلة تُقدّم أخبارًا موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى لتعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهُم بين الشعوب.
للمزيد من الأخبار يُمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
اسم الكاتب: المُستشار فيصل المُطيري.
تاريخ النشر: 4 أغسطس 2026م.
تاريخ التحديث: أغسطس 2026م.
