إقرأ الان
إشعارات

محمد القاسم.. الروح التي سبقت الجسد والعمر

بواسطة
مدة القراءة: 5 دقيقة
  1. ليس الموت في حد ذاته فاجعة، فهو قضاء الله وأجله الذي حدده لكل إنسان. لكنّ المأساة الحقيقية تكمن في انطفاء سراجٍ كان يمنح الآخرين ضوءاً ودفئاً، وفي غياب روحٍ كانت بمثابة واحة طمأنينة وسكينة أينما حلت.
    منذ أن وطئت قدماي رصيف “كامبريدج” العتيقة، كان اسم “محمد القاسم” يمرّ على القلوب قبل الألسنة، يتردد في أرجاء المدينة كأنه ما زال يذرع شوارعها خطوةً بخطوة. لم يجمعني به مجلس, ولم تلمس كفي كفه؛ ومع ذلك، كان كلما حدثني عنه أحدٌ ممّن عرفوه، شعرتُ كأنني أستحضر ملامح صديقٍ قديم عشتُ معه عمراً كاملاً.
    كانت الحكايا تتعدد، لكن أثرها كان يزداد عمقاً. كلّ من التقى بمحمد كان يحمل في جعبته فصلاً من كتاب شخصيته، غير أن الخيط الذي نظم كل تلك الفصول كان واحداً: إنسانيةٌ مفرطة بالندرة، ونبلٌ عزّ نظيره في زمن شحّت فيه المروءة.
    لم يكن محمد مجرد مغتربٍ حزم في حقائبه بعض الكتب والشهادات؛ بل كان يحمل بين جوانحه قلباً رحباً يتسع للمتعبين جميعاً. كان يرى في عيون الغرباء همومهم وكأنها مسؤوليته الشخصية، كأن الله زرع في روحه ذلك الفهم النبيل: أن الخير لا يكتمل نِصابه إلا إذا اقتُسم مع الآخرين.
    ينقل عنه رفاقه في الغربة أنه في اللحظات الحرجة التي كان يضيق فيها بالطلاب السكن، كان يتدخل برفق دون أن يُشعر الطرف الآخر بالحرج، فيقول ببساطة وعفوية: “هناك غرفة متاحة ومكتملة، يمكنكم البقاء فيها لخمسة أيام أو أسبوع”، حسب ما تقتضيه حاجة الشخص وظروفه.
    لكنّ المدهش، أنه لم يكن يخبرهم أبداً أنها غرفته الخاصة.. بل كانت غرفته الوحيدة وملاذه الأخير.
    كان ينسحب من سريره وراحته بابتسامة راضية ليمنحها لغريبٍ أثقله العناء، بينما يفترش هو الأرض في غرفة أحد أصدقائه لأيام دون تبرم. لم يكن يصنع ذلك رياءً، بل لأنه كان يؤمن بعفوية مطلقة أن هذا هو الحق الذي يجب أن يُصنع. هكذا ببساطة الأنقياء.. هكذا كان محمد.
    وفي الضفة الأخرى من الحكاية، كان هناك والدان يرقبان الأفق بعيونٍ ملأها الرجاء، يطويان مسافات السنين بالدعاء والتعب، بانتظار عودة الابن متوجاً بالعلم ليبدأ معهما فصلاً جديداً من البهجة. أحلامٌ كثيرة كانت تُغزل خلف الستار، لكنها وئدت قبل أن تصافح النور.
    ثم هبطت الفاجعة التي لا يجرؤ عقلٌ على تخيلها.
    في أغسطس الراحل، وفي مشهدٍ عبثي يعجز المنطق الأخلاقي عن استيعابه، امتدت يد الغدر الآثمة من رجلٍ غيّب الخمرُ عقله، لتوجه إلى محمد طعنةً غادرة خطفت روحه النبيلة في رفة عين، بلا جُرمٍ جناه أو سببٍ يبرر كل هذا العنف.
    ترجل محمد عن صهوة الحياة، تاركاً خلفه قلوباً منفطرة، ومدينةً بأكملها لا تلوك تفاصيل الجريمة النكراء، بل تتناقل مآثره وأخلاقه بإجلال. ولعل في هذا التجلي يكمن المعنى الأعمق للوجود: فالناس لا يتذكرون الإنسان بطريقة موته، بل بطريقة عيشه.
    لهذا لم أسمع صوتاً واحداً يرثي محمداً باعتباره ضحية، بل كانوا يتحدثون عنه كإنسان نبيل؛ يذكرون مروءته، وبشاشة وجهه، ويديه الممدودتين بالخير دائماً، حتى تسلل ذلك الغائب الحاضر إلى وجداني أنا، وغرس في نفسي أثراً لا يمحوه الزمن.
    وحين وقفتُ مؤخراً أرقب مشهد العدالة الأرضية وهي تلفظ حكمها بسجن القاتل مدى الحياة، شعرتُ أن القوانين قد اقتصت لدمه بقدر ما تملك من حيلة، لكنّ النفوس كانت توقن أن الفقد أكبر من كل الأحكام؛ إذ لا توجد مطرقة قاضٍ قادرة على إرجاع غائبٍ إلى حضن أمه، ولا قرار يجفف دمعة قهرٍ انحدرت على لحية أب.
    رغم كل الغصص، يبقى الإيمان بالله هو البلسم الأعظم؛ اليقين الحاسم بأن هناك ميزاناً إلهياً لا يميل، وعدالةً سماوية لا تغفو، ورحمةً ربانية تتسع لآلام الأرض وتضمد جراحها.
    غادر محمد القاسم دنيانا على عجل، لكنه أحرز في سنواته القليلة ما يعجز عنه المعمّرون؛ فقد ظفر بمحبةٍ صادقة، وترك خلفه سيلاً من الثناء العطر. يكفي أن يُذكر اسمه، لتهتز الملامح بابتسامة حزينة، ولتلين القلوب، ولترتفع الأكفّ إلى السماء تلهج له بالرحمة.
    سلامٌ على تلك الروح المعطاءة التي عبرت بيننا كالنسمة ومضت، تاركةً خلفها درساً بليغاً في معنى الكرم والأخلاق. اللهم أنزله منازل الصديقين والشهداء، واربط على قلوب والديه وأهله برباط الصبر والسلوان.

فبعض البشر يرحلون عن دنيانا.. لكنهم
يضربون خيامهم في سويداء القلوب فلا يبرحونها أبداً.

المستشار الدكتور / فيصل المطيري
رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي
سفير الكونغرس الدولي
مدينة كامبريدج

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *