إقرأ الان
إشعارات

السعودية وفرنسا.. شراكة استراتيجية تبحر نحو آفاق جديدة لصناعة الاستقرار

بواسطة

بقلم: المستشار الدكتور /فيصل المطيري  

رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي 

سفير الكونغرس الدولي 

تأتي زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، إلى الجمهورية الفرنسية في منعطف تاريخي بالغ الأهمية من مسيرة العلاقات الثنائية العريقة، بالتزامن مع الاحتفاء بمرور مئة عام على إقامتها. وتؤكد الزيارة من جديد أن الشراكة السعودية–الفرنسية ليست وليدة اللحظة، بل هي صرح متين من الثقة المتبادلة والرؤى المتطابقة.

ولا تقتصر دلالات هذه الزيارة على عمق التعاون السياسي والاقتصادي فحسب، بل تجسد تحولاً نوعياً في العقيدة الدبلوماسية للبلدين، توّج بترسيخ هذا التعاون من خلال ترؤس سمو ولي العهد والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الاجتماع الأول لـ«مجلس الشراكة الاستراتيجية»، وهو الإطار المؤسسي الأرفع الذي يعيد تنظيم مسار العلاقات الثنائية، ويستثمر الإمكانات الكبيرة لكلا البلدين في مواجهة التحديات العالمية الراهنة.

شراكة اقتصادية واستثمارية عابرة للحدود

على الصعيد الاقتصادي، تعكس لغة الأرقام حجم الطموح المشترك؛ إذ بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 11.8 مليار دولار في عام 2025. وتجسد هذا الطموح بوضوح في مخرجات «الطاولة المستديرة السعودية–الفرنسية للاستثمار»، التي جمعت نخبة من صناع القرار وممثلي القطاعين العام والخاص لبحث فرص واعدة في قطاعات الطاقة، والصناعة، والخدمات المالية، والنقل، والصحة، والثقافة، والذكاء الاصطناعي.

وتُوّجت المباحثات بالترحيب بالإعلان عن 21 اتفاقية ومذكرة تفاهم كبرى، بما يعزز مسار الاستثمارات المتبادلة ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي.

وفي هذا السياق الاستراتيجي، تبرز مشاريع كبرى، من بينها مذكرة التفاهم التي وقعتها شركة القدية للاستثمار لاستكشاف تطوير وجهة ترفيهية متعددة الاستخدامات في «سيرجي بونتواز» بإقليم إيل دو فرانس، باستثمارات تصل إلى 6 مليارات يورو، بما يعكس قدرة الشركات السعودية على التوسع عالمياً من خلال مشاريع ومنتجات مبتكرة.

وبالتوازي، يعمل الجانبان، عبر وزارة المالية و«بيفابرانس أشورانس إكسبورت»، على تأسيس خط ائتماني نوعي بقيمة تصل إلى 5 مليارات دولار لتمويل وإعادة تمويل عقود الشركات الفرنسية في المملكة، بما يدعم مشاريع البنية التحتية والتطوير الحضري والرعاية الصحية، وفقاً لمستهدفات رؤية السعودية 2030.

الطاقة والتقنيات المتقدمة وحماية الممرات البحرية

في قطاع الطاقة والتقنية، تجاوز البلدان النمط التقليدي للتعاون إلى آفاق المستقبل، حيث اتفق الجانبان على تعزيز الشراكة في مجالات النفط والبتروكيماويات، والطاقة المتجددة وتخزينها، والطاقة النووية السلمية، والهيدروجين النظيف، وتقنيات خفض الانبعاثات وإزالتها.

ولم تكن الثورة التقنية بمعزل عن هذا التوافق، إذ شملت الشراكة مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والتقنيات الناشئة، فضلاً عن التنسيق المشترك لدعم استقرار أسواق الطاقة العالمية وضمان أمن الإمدادات.

كما امتد التعاون إلى حماية حرية الملاحة والممرات البحرية الحيوية، التي تمثل عصباً رئيسياً للتجارة الدولية، بما يعكس إدراك البلدين لأهمية التعاون المشترك في مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية العالمية.

العلا.. جوهرة الثقافة والتراث الممتدة إلى 2035

وفي جانب العمق الحضاري، جاء قرار الجانبين بتمديد الشراكة السعودية–الفرنسية بشأن محافظة العلا حتى عام 2035، ليؤكد التزام البلدين الراسخ بتحويل العلا إلى وجهة عالمية فريدة للآثار والتراث والثقافة والسياحة والضيافة وتنمية القدرات البشرية.

ويعكس هذا التعاون نموذجاً متقدماً للشراكة الثقافية والتنموية، بما يتماشى مع المستهدفات الطموحة لرؤية المملكة 2030، ويعزز حضور العلا على خريطة الوجهات العالمية.

رؤية سياسية موحدة لاستقرار الإقليم

من منظور استراتيجي، لم تقتصر نتائج الزيارة على الجوانب الاقتصادية، بل حمل البيان المشترك دلالات عميقة بشأن قضايا الشرق الأوسط.

وأكد الجانبان أن الحلول السياسية والدبلوماسية تمثل ركيزة أساسية لترسيخ الاستقرار الإقليمي والدولي، على أساس صون سيادة الدول واحترام أحكام القانون الدولي.

كما توافقت رؤاهما بشأن أهمية خفض التصعيد، ودعم أمن اليمن وسوريا ولبنان والسودان واستقرارها، إلى جانب التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وفقاً لمرجعيات الشرعية الدولية، ومضامين إعلان نيويورك، وحل الدولتين.

ويعكس هذا التوافق السياسي عمق التنسيق بين الرياض وباريس في التعامل مع الملفات الإقليمية والدولية، ودورهما المتنامي في دعم الأمن والاستقرار وتعزيز الحلول الدبلوماسية.

خاتمة برؤية استراتيجية

تؤكد مخرجات هذه الزيارة التاريخية أن الشراكة السعودية–الفرنسية تمضي بخطى ثابتة وواثقة نحو المستقبل، مستندة إلى إرادة سياسية راسخة لدى قيادتي البلدين، وشبكة متنامية من المصالح الاقتصادية والاستثمارية والثقافية والسياسية.

ومع استمرار هذا المسار المتنامي، تثبت المملكة العربية السعودية مكانتها كركيزة أساسية في صياغة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي، كشريك موثوق يسهم في إعادة تشكيل العلاقات الدولية على أساس المصالح المشتركة، والندية، واحترام السيادة.

 

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *