نحو 20 دولة حول العالم اختارت التخلي عن جيوشها
على الرغم من أن امتلاك قوة عسكرية يُعد بمثابة عنصرًا أساسيًا لحماية أمن الدول وسيادتها، اختارت بعض الدول حول العالم التخلي عن جيوشها الدائمة، مُفضلة توجيه مواردها لمجالات أخرى، كالتنمية والتعليم والصحة. ويُشير “هاريسون كاس” الكاتب والمُحامي المُتخصص في الأمن القومي والتكنولوجيا والثقافة السياسية، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية، إلى أن حوالي 20 دولة تخلت طواعيةً عن جيوشها، وأصبحت تعتمد على دول أخرى لتوفير الحماية، مُستفيدة من الوفورات المالية في دعم أنشطة ومجالات تهدف لإحلال السلام.
ويرى “كاس” أن أغلب دول العالم سواء كانت كبيرة أو صغيرة غنية أو فقيرة، تستثمر في إنشاء جيش دائم، وهو أمر يُمكن تفسيره بطبيعة العالم الذي شهد على مدار التاريخ صراعات وحروبًا مُستمرة، بدءًا بالنزاعات بين القبائل والإمارات الصغيرة وصولًا للدول القومية الحديثة. وبينما تُمثل الدبلوماسية والسياسة أدوات مُهمة، تظل القُدرة على استخدام القوة أو التهديد بها إحدى الوسائل التي تعتمد عليها الدول لضمان استقلالها وردع المُعتدين المُحتملين.
ومن ثم، فإن التخلي التام عن الجيش يعكس درجة كبيرة من الثقة في الدول المُجاورة والبيئة الجيوسياسية المُحيطة. ومع هذا أقدمت قرابة 20 دولة على تلك الخطوة، لتصبح المُعاهدات والشراكات الدولية أساسًا رئيسيًا في منظومتها الأمنية. وغالبية هذه الدول جزر صغيرة في الكاريبي أو المُحيط الهادئ، ولا تواجه أي تهديد مُباشر من قوى إقليمية أكبر، إلا أن القائمة تضم -أيضًا دولًا ذات أهمية استراتيجية، وتبرز بينها خمس دول هي الأكبر من حيث عدد السكان: كوستاريكا، وبنما، وموريشيوس، وجزر سليمان، وآيسلندا.
5- آيسلندا
مساحة اليابسة: 103 آلاف و125 كيلومترًا مربعًا.
عدد السكان: 390 ألف نسمة.
لم تمتلك آيسلندا جيشًا دائمًا منذ عام 1869م، واعتمدت بدلًا من هذا على موقعها الجغرافي في توفير قدر من الحماية، إذ تقع بعيدًا عن البر الرئيسي الأوروبي، كما تجنبت -إلى حد كبير- الصراعات التي شهدتها القارة خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وعلى الرغم من عدم وجود جيش آيسلندي، فإنها عضو مؤسس بحلف شمال الأطلسي «الناتو»، وهو ما يبدو للوهلة الأولى أمرًا غير مألوف. وتتمتع البلاد بأهمية استراتيجية كبيرة بسبب موقعها فوق فجوة غرينلاند-آيسلندا-المملكة المُتحدة، وهي نقطة بحرية يجب على غواصات الأسطول الشمالي الروسي عبورها للوصول للمحيط الأطلسي. ويُحافظ على أمن آيسلندا بموجب اتفاقية دفاع ثنائية مع الولايات المُتحدة أُبرمت عام 1951م.
4- جُزر سُليمان
مساحة اليابسة: 28 ألفًا و896 كيلومترًا مربعًا.
عدد السكان: 750 ألف نسمة.
تقع جزر سُليمان بجنوب غرب المُحيط الهادئ، شرق بابوا غينيا الجديدة وشمال شرق أستراليا، وكانت خلال الحرب العالمية الثانية مسرحًا لمجموعة من أعنف المعارك، لا سيما حول جزيرة غوادالكانال. ورغم تاريخها العسكري خلال الحرب، لم تمتلك الدولة التي كانت مُستعمرة بريطانية حتى استقلالها عام 1978م جيشًا خاصًا بها، واعتمدت على الولايات المُتحدة والمملكة المُتحدة وأستراليا في توفير الحماية.
وخلال السنوات الأخيرة، تحولت جُزر سليمان لنقطة احتكاك جيوسياسي بين واشنطن وبكين، وأصبحت إحدى ساحات التنافس الاستراتيجي المُهمة. وفي ظل غياب جيش وطني، وقعت البلاد اتفاقية أمنية مع الصين تتيح للسفن الحربية الصينية بزيارة موانئها، الأمر الذي اعتُبر بمثابة تقويض للنفوذ الأمني الأسترالي بالمنطقة، وأثار مُعارضة أميركية قوية.
وبعد أزمة سياسية في أوائل عام 2026م أدت إلى استقالة رئيس الوزراء الموالي للصين، أعلن خلفه مراجعة الاتفاقية الأمنية، في خطوة شكلت بارقة أمل لواشنطن وسط اضطرابات جيوسياسية واسعة بمناطق أُخرى من العالم.
3- موريشيوس
مساحة اليابسة: 2040 كيلومترًا مربعًا.
عدد السكان:1.3 مليون نسمة.
عقب استقلالها عن المملكة المُتحدة عام 1968م، اختارت موريشيوس الدولة الجزيرة الواقعة على بعد حوالي 1300 كيلومتر شرق مدغشقر، عدم إنشاء جيش دائم. وكان القرار مُتعلقًا باعتباراتٍ مالية، إذ فضلت الدولة الصغيرة توجيه مواردها لقطاعات اقتصادية وتنموية أخرى، من بينها التصنيع والسياحة والخدمات المالية، عوضًا عن الإنفاق على الأسلحة والمُعدات العسكرية.
وعلى الرغم من مساحتها المحدودة تتمتع موريشيوس بموقع استراتيجي في جنوب غرب المُحيط الهندي، وتعتمد في حماية أمنها القومي على شراكة وثيقة مع الهند في مجالي الدفاع والمُراقبة.
كما تصدرت البلاد المشهد مُؤخرًا بسبب ملف جزر تشاغوس، وهو إقليم بريطاني ظل محل نزاع طويل. وكانت لندن قد أشارت لاستعدادها لإعادته إلى موريشيوس في أوائل عام 2025م، قبل أن تتراجع عن موقفها تحت ضغوط أميركية، لا سيما في ظل استخدام الولايات المُتحدة قاعدة دييغو غارسيا لشن ضربات على إيران خلال عامي 2025م و2026م. ومع هذا، واصلت موريشيوس التمسك بمُطالبتها بالجزر.
2- بنما
مساحة اليابسة: 74 ألفًا و177 كيلومترًا مربعًا.
عدد السكان: 4.5 مليون نسمة.
تتمتع بنما بأهمية استراتيجية استثنائية، إذ لا يتجاوز عرض برزخها الذي يفصل المُحيط الهادئ عن البحر الكاريبي ومنه للمُحيط الأطلسي، نحو 37 ميلًا في أضيق نقاطه. ودفع هذا الموقع الولايات المُتحدة لإنشاء قناة بنما في أوائل القرن العشرين، مما جعل أمن المنطقة والقناة تحديدًا مسألة ذات أهمية دولية كبيرة.
واعتمدت بنما لفترة طويلة على الولايات المُتحدة لحماية القناة، بينما يستند أمنها اليوم لمُعاهدة الحياد لعام 1977م، التي تضمن الحياد العسكري للقناة، مع منح الولايات المُتحدة حقًا قانونيًا في التدخل عسكريًا إذا تعرضت لتهديد خارجي.
وعلى الرغم من هذا، امتلكت بنما جيشًا خاصًا بها خلال معظم تاريخها، قبل أن تتحول المؤسسة العسكرية إلى لاعب سياسي مؤثر. وخلال النصف الثاني من القرن العشرين، حكم عدد من القادة العسكريين البلاد عبر رؤساء مدنيين صوريين، وكان آخرهم “مانويل نورييغا” الذي تدهورت علاقاته مع الولايات المُتحدة بسبب تورطه في تجارة المُخدرات.
وانتهى الصراع بغزو أميركي لبنما عام 1989م، أطاح بنورييغا ومهّد لإقامة حكومة ديمُقراطية. وبعد ذلك، قامت الحكومة الجديدة بتفكيك المؤسسة العسكرية، وأقرت الجمعية الوطنية عام 1994م تعديلًا دستوريًا يحظر وجود جيش دائم.
1- كوستاريكا
مساحة اليابسة: 51 ألفًا و180 كيلومترًا مربعًا.
عدد السكان:5.2 مليون نسمة.
في عام 1948م، وبعد حرب أهلية قصيرة إلا إنها كانت دامية، اتخذ الرئيس الكوستاريكي “خوسيه فيغيريس فيرير” قرارًا بإلغاء الجيش، قبل أن يُدرج هذا التوجه بدستور البلاد لعام 1949م.
وبدلًا من تخصيص الموارد للإنفاق العسكري، اتجهت كوستاريكا لإعادة توظيف ميزانية الدفاع في مجالات الرعاية الصحية الشاملة والتعليم العام والمُحافظة على البيئة. وعلى المستوى الاستراتيجي، دفعها غياب الجيش للاعتماد على المُعاهدات الدولية، وفي مُقدمتها مُعاهدة البلدان الأميركية للمُساعدة المُتبادلة لعام 1947م، المعروفة باسم «مُعاهدة ريو».
وتقوم المعاهدة على اعتبار أي هجوم على كوستاريكا بمثابة اعتداء على دول الأميركتين بما فيها الولايات المُتحدة، مما يوفر لها مظلة أمنية في غياب قوة عسكرية وطنية. كما تستفيد البلاد من علاقاتها الجيدة نسبيًا مع جارتيها نيكاراغوا وبنما، وهو ما يجعل احتمال تعرضها لغزو من أي من الاتجاهين محدودًا للغاية.
شبكة الأخبار المُتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مُستقلة تُقدّم أخبارًا موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى لتعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهُم بين الشعوب.
للمزيد من الأخبار يُمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
اسم الكاتب: المُستشار فيصل المُطيري.
تاريخ النشر: 26 أغسطس 2026م.
تاريخ التحديث: أغسطس 2026م.
