قراءة في أطروحة الدكتورة
مشاعل بنت سعد المطيري التي ترسم *مستقبل الإشراف التربوي في المملكة
في الحقول الأكاديمية، تُقاس قيمة الأطروحات العلمية عادةً بمتانة منهجيتها، وعمق نتائجها، ومدى قابليتها للتطبيق والإفادة. غير أن هناك أعمالًا علمية استثنائية تتجاوز حدود المعرفة النظرية، لتتحول إلى شواهد إنسانية خالدة، تختلط فيها قوة الفكر بصلابة الروح، ويُكتب سطرها العلمي بمداد الصبر والتضحية.
ومن بين هذه النماذج الملهمة، تبرز أطروحة الدكتوراه التي قدّمتها الباحثة
الدكتورة مشاعل بنت سعد المطيري، في جامعة الملك سعود، بعنوان:
«تطوير الممارسات الإشرافية لتمكين مديرات مدارس التعليم العام بالمملكة العربية السعودية في ضوء أبعاد الذكاء الاستراتيجي: تصور مقترح»
وهي دراسة نالت عنها درجة الدكتوراه بتقدير امتياز، لتشكل إضافة علمية نوعية للمكتبة التربوية السعودية، ومنجزًا وطنيًا يتقاطع مع مستهدفات التطوير التعليمي وتمكين القيادات النسائية في المملكة.
العلم حين يولد من رحم المعاناة
وراء هذه الدراسة حكاية إنسانية موجعة، لا تقل عمقًا عن عمقها العلمي.
فبين صفحات البحث، والجداول الإحصائية، والتحليلات الأكاديمية الدقيقة، تختبئ رحلة طويلة من الصبر والوفاء.
لقد كُتبت أجزاء واسعة من هذه الأطروحة في أروقة المستشفيات، وعلى وقع الأجهزة الطبية، حيث كانت الدكتورة مشاعل ترابط إلى جوار والدتها -رحمها الله- في رحلة مرضها الأخيرة؛ تؤدي واجب البر والرعاية بكل وفاء، وفي الوقت ذاته تواصل مسيرتها العلمية بإصرار نادر.
كانت تخوض معركتين متوازيتين:
* معركة إنسانية عنوانها البر والرحمة والوفاء للأم في أصعب لحظات الألم.
* ومعركة علمية تتطلب القراءة والتحليل والبحث والإنجاز تحت ضغط نفسي وإنساني بالغ القسوة.
وفي أكثر لحظات القصة ألمًا، رحلت والدتها قبل أن تشهد لحظة التتويج الكبرى، وقبل أن ترى ابنتها تتسلم شهادة الدكتوراه بامتياز.
لكن حضورها ظل ممتدًا في روح الباحثة، وفي عزيمتها، وفي هذا الإنجاز الذي يبدو وكأنه كُتب وفاءً لروح أم صنعت بالصبر ابنةً صنعت بالعلم أثرًا.
لقد تحولت هذه الأطروحة إلى ما يشبه الوفاء المؤجل، وإلى صدقة علمية جارية تهدى لروح الأم الراحلة، وتبقى أثرًا ممتدًا في ميادين التربية والتعليم.
أهمية استراتيجية تتجاوز الإطار الأكاديمي
تكتسب هذه الدراسة أهمية خاصة في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية انسجامًا مع رؤية السعودية 2030، والتي جعلت من تطوير التعليم وتمكين القيادات الوطنية النسائية أحد مرتكزاتها الأساسية.
وقد تناولت الباحثة مفهوم الذكاء الاستراتيجي بوصفه مدخلًا حديثًا لتطوير الإشراف التربوي وتمكين مديرات المدارس من قيادة المؤسسات التعليمية بكفاءة واستشراف للمستقبل.
واعتمدت الدراسة على منهج وصفي مسحي اتسم بالشمولية والدقة، حيث شملت:
* (387) معلمة شاركن في الاستبانة العلمية.
* (25) مديرة مدرسة عبر مقابلات معمقة.
* (25) مشرفة تربوية لضمان تكامل الرؤية بين الميدان والإدارة التعليمية.
نتائج تكشف الواقع… وتقترح الحلول
أظهرت نتائج الدراسة أن مستوى الممارسات الإشرافية الحالية المرتبطة بتمكين مديرات المدارس جاء بدرجة متوسطة في مختلف الأبعاد، الأمر الذي يكشف الحاجة الملحة إلى تطوير منهجي ومستدام.
كما كشفت الدراسة عن وجود تحديات مرتفعة بلغت نسبتها (78%)، تصدرتها التحديات التقنية، تلتها التنظيمية، ثم البشرية؛ وهو ما يعكس حجم الفجوة بين الطموح التطويري ومتطلبات التطبيق الميداني.
غير أن قيمة الدراسة لا تكمن في تشخيص الواقع فحسب، بل في قدرتها على تقديم حلول عملية قابلة للتطبيق؛ إذ اقترحت الباحثة مجموعة من الآليات التطويرية المهمة التي حظيت بنسبة تأييد بلغت (79%)، قبل أن تتوج ذلك ببناء تصور مقترح متكامل يستند إلى أسس علمية حديثة لتطوير الممارسات الإشرافية في ضوء أبعاد الذكاء الاستراتيجي.
أثر مستقبلي يمتد إلى أجيال الغد
تكمن القيمة الحقيقية لهذه الأطروحة في أثرها المستقبلي العابر لجدران الجامعة؛ إذ إن تمكين مديرة المدرسة، وتطوير أدوات الإشراف التربوي، يعني بالضرورة بناء بيئة تعليمية أكثر كفاءة واستدامة.
ومن أبرز الآثار المتوقعة لهذه الدراسة:
- تطوير البيئة المدرسية عبر صناعة قيادات تربوية تمتلك الوعي والرؤية والقدرة على التحفيز.
- رفع جودة المخرجات التعليمية بما ينعكس مباشرة على بناء شخصية الطالب والطالبة وإعداد أجيال المستقبل.
- دعم صناع القرار من خلال تقديم خارطة طريق علمية قابلة للتطبيق والتعميم على مدارس التعليم العام في المملكة.
خاتمة
إن أطروحة الدكتورة مشاعل بنت سعد المطيري ليست مجرد بحث أكاديمي نال درجة الامتياز، بل شهادة حية على أن الإرادة الإنسانية قادرة على صناعة النور حتى في أكثر اللحظات عتمة.
لقد انتصرت الباحثة للعلم، وللوفاء، ولرسالة التربية، وقدمت نموذجًا مشرفًا للمرأة السعودية التي تجمع بين التفوق العلمي والعمق الإنساني والولاء لوطنها.
فاستحقت أن يكون هذا الإنجاز العلمي علامة مضيئة في مسيرتها، ورسالة وفاء خالدة لوالدتها -رحمها الله-، وأثرًا علميًا سيظل ممتدًا في مستقبل التعليم بالمملكة.
نسأل الله للدكتورة مشاعل مزيدًا من التوفيق والسداد، وأن يجعل هذا العمل المبارك في ميزان حسناتها، وأن يتغمد والدتها بواسع رحمته ورضوانه.
