يوم التأسيس… حين ينهض التاريخ ليصنع المستقبل

بواسطة
مدة القراءة: 4 دقيقة

في الثاني والعشرين من فبراير، لا نستحضر مجرد ذكرى عابرة، بل نقف على عتبة زمن ممتد، 299 عاماً من البدايات التي تحولت إلى مسيرة أمة. يوم التأسيس ليس تاريخاً محفوظاً في الكتب، بل هو جذوة حية في وجدان السعوديين، تروي كيف بدأت الحكاية من أرض صلبة وإرادة أصلب، لتصبح المملكة اليوم وطناً راسخاً يكتب فصوله بثقة ويصوغ مستقبله بعزم.

إن هذا اليوم يذكرنا بأن الدول العظيمة لا تُبنى صدفة، بل تُصاغ عبر قرون من الثبات على المبادئ، والوفاء للقيم، والإيمان بأن الإنسان هو محور التنمية وغايته. ومنذ اللحظة الأولى، كانت الدولة السعودية مشروع استقرار لا مشروع سلطة، ومشروع إنسان لا مشروع نفوذ. لهذا بقيت جذورها عميقة، لا تزعزعها الرياح، ولا تنال منها التحولات.

ولأن الشباب هم عماد الأمة ووقود نهضتها، فإن يوم التأسيس رسالة موجهة إليهم قبل غيرهم. إنه دعوة مفتوحة ليقرأوا التاريخ لا بوصفه ماضياً ساكناً، بل بوصلة للمستقبل. ففي كل جيل سعودي تتجدد الحكاية، وتنتقل الراية من يد إلى يد، محمولة بالإيمان ذاته: أن الوطن أمانة، وأن البناء مسؤولية، وأن المجد لا يُورث بل يُصنع.

لقد أثبتت المملكة عبر مسيرتها أن قوتها لم تكن يوماً في صخب الشعارات، بل في هدوء الفعل. سياسة راسخة، لا تتبدل بتبدل العواصف، أساسها خدمة المواطن أولاً، ومدّ يد العون لكل محتاج أينما كان. من الداخل، دولة ترعى أبناءها بالتنمية والعدالة والفرص؛ ومن الخارج، يد بيضاء تمتد بالإغاثة والدعم والعمل الإنساني، حتى أصبحت المملكة عنواناً للعطاء حين يشتد الألم، وصوتاً للحكمة حين تضطرب المواقف.

وفي كل مرحلة، كانت القيادة السعودية تدرك أن الشرعية الحقيقية تُستمد من خدمة الإنسان وصيانة كرامته. واليوم، تتجلى هذه المعادلة في ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز – حفظه الله – الذي يجسد امتداد الدولة في ثوابتها، ورسوخها في نهجها، وحضورها في ضمير شعبها. قيادة تعرف أن التاريخ مسؤولية، وأن الحفاظ عليه لا يكون بالحنين، بل بالبناء.

وإلى جانبه، يمضي ولي عهده الأمين، صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، بروح مختلفة تجمع بين الجرأة والبصيرة. قائد شاب بلغة المستقبل، أعاد تعريف الطموح السعودي، ونقل الوطن من مرحلة الإدارة إلى مرحلة الريادة. برؤية واضحة، فتح نوافذ الأمل للأجيال، وأثبت أن الأحلام حين تقترن بالإرادة تتحول إلى مشاريع، وأن الأوطان التي تثق بنفسها لا تخشى القفز نحو الغد.

لم تعد المملكة مجرد دولة تُقاس بحدودها الجغرافية، بل تجربة تُقرأ بعمقها السياسي والإنساني. حصافة في المواقف، توازن في العلاقات، وثبات على الثوابت، جعلت السعودية رقماً صعباً في معادلات المنطقة والعالم. دولة تحافظ على هويتها دون انغلاق، وتنفتح على المستقبل دون أن تفقد أصالتها. ولهذا، لم يكن مستغرباً أن ينظر كثيرون إلى التجربة السعودية بإعجاب، بل وبشيء من الغبطة، لأنها أثبتت أن الاستقرار يمكن أن يسير جنباً إلى جنب مع الطموح.

وفي قلب هذا التحول، يظل الإنسان السعودي هو الرهان الأكبر. شاب يؤمن أن وطنه ليس مجرد مكان يعيش فيه، بل قصة ينتمي إليها. جيل يرى في رؤية المملكة وعداً لا شعاراً، ومسؤولية لا امتيازاً. جيل يدرك أن العالم لا ينتظر المترددين، وأن الأمم التي لا تصنع مستقبلها، يصنعه الآخرون عنها.

يوم التأسيس إذن ليس احتفالاً بالماضي، بل تجديداً للعهد. عهد أن تبقى المملكة كما أرادها المؤسسون: ثابتة في مبادئها، رحيمة في إنسانيتها، طموحة في رؤيتها. عهد أن يحمل كل سعودي شعلة البناء في مجاله، وأن يكون سفيراً لوطنه في أخلاقه قبل إنجازاته.

فمن أرضٍ بدأت الحكاية قبل ثلاثة قرون، ها نحن نكتب فصولاً جديدة بثقة أمة تعرف طريقها. تاريخ راسخ لا يتزحزح، ومستقبل يُبنى بعقول تؤمن أن المجد لا يُستعار، بل يُصنع. وفي هذا اليوم، لا نقول فقط: هنا بدأنا… بل نقول: وهنا سنواصل، حتى يبقى الوطن قصة نجاح لا تنتهي، ومسيرة عطاء لا تعرف التوقف.

المستشار الدكتور فيصل المطيري،
رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي و سفير الكونغرس الدولية

شارك هذه المقالة
لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *