تعيش مدينة “الأبيض” عاصمة ولاية شمال كردفان غربي السودان، أحد أصعب الأزمات الإنسانية في التاريخ الحديث، بعدما تحولت المياه من خدمة أساسية إلى مطلب يومي شاق يتطلب ساعات طويلة من البحث والانتظار. وفي ظل استمرار الحرب وتدهور البنية التحتية، أصبح السكان يواجهون تحديًا مُضاعفًا يتمثل في شح الإمدادات وارتفاع تكاليف الحصول على المياه، وسط مخاوف مُتزايدة من تفاقم الأوضاع في الفترة المُقبلة.
أزمة مُتفاقمة مع انقطاع الكهرباء
تحت أشعة الشمس الحارقة، يصطف المئات من السكان سواء من النساء أو الأطفال أو من كبار سن في طوابير طويلة أمام نقاط توزيع المياه، حاملين أوعيتهم الخاوية في انتظار وصول شاحنات المياه التي قد تتأخر ساعات أو لا تصل أحيانًا. وأصبحت هذه المشاهد جزءًا من الحياة اليومية بالمدينة الواقعة على بعد نحو 400 كيلومتر جنوب غرب الخرطوم، والتي تعتبر من أكبر مدن السودان ومركزًا اقتصاديًا مُهمًا في إقليم “كردفان”.
وأكد مواطنون أن أزمة المياه لا تُعد وليدة اللحظة، إلا أنها بلغت مُستوياتٍ غير مسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة، لا سيما بعد الانقطاع الكامل للكهرباء في مناطق واسعة من ولاية شمال كردفان. وأوضحوا أن توقف التيار الكهربائي أدى لتعطيل مصادر الإمداد الرئيسية، مما زاد من صعوبة حصول السكان على احتياجاتهم الأساسية اللازمة من المياه.
وأشاروا إلى أن الأزمة قد تفاقمت بفعل نقص الوقود -أيضًا- الأمر الذي تسبب في خروج أعداد كبيرة من المولدات الكهربائية ومضخات المياه عن الخدمة، وهي المُعدات التي كانت تعتبر بديل أساسي لتشغيل مصادر الإمداد في ظل تراجع الخدمات العامّة.
وبينما تتسع دائرة المعاناة يومًا بعد يوم باتت رحلة البحث عن المياه جزءًا من الروتين اليومي لآلاف الأسر، خاصّةً النازحين المقيمين بمراكز الإيواء والمُخيمات المُحيطة بالمدينة، حيث ترتفع مُعدلات الاحتياج في ظل محدودية الموارد المُتاحة وتراجُع الخدمات الإنسانية.
القصف يُزيد الضغوط على مصادر الإمداد
في خضم هذه الظروف، أفادت مصادر رسمية إصابة خمسة أطفال إثر قصف بطائرة مُسيّرة استهدف محطات مياه الشرب بمدينة الأبيض، بالإضافة إلى استهداف شاحنة كانت تنقل المياه للسكان خلال الساعات الماضية.
كما أوضحت مصادر حكومية بولاية شمال كردفان أن المدينة تواجه أزمة حادة في مياه الشرب عقب استهداف مجوعة من المحطات التي كانت توفر نحو ثمانية آلاف متر مُكعب من المياه يومياً. وأضافت أن انقطاع الكهرباء الناتج عن القصف أدى كذلك لتعطيل أغلب المضخات الجوفية التي يعتمد السكان عليها لتأمين احتياجاتهم.
التناكر والآبار كحلول اضطرارية
مع استمرار تراجع الخدمات الأساسية وغياب الحلول المُستدامة، باتت خزانات المياه المُتنقلة والآبار بمثابة المصدر الرئيسي للمياه بالنسبة لعدد كبير من السكان. كما تسعى المُبادرات المُجتمعية والإنسانية إلى سد جزء من الفجوة من خلال توفير المياه وتوزيعها على الأحياء الأكثر تضررًا.
غير أن مواطنين قد أكدوا أن هذه الجهود لا تزال محدودة مُقارنةً بحجم الاحتياج الفعلي، في وقت تتزايد فيه أعداد المُحتاجين للمياه وتتراجع فيه قُدرة مصادر الإمداد على تلبية الطلب المُتصاعد.
ارتفاع الأسعار يُضاعف المُعاناة
لم تعد المشكلة مُقتصرة على نُدرة المياه فقط، بل امتدت لارتفاع تكاليف الحصول عليها. وحسب ما ورد في إفادات محلية، يتراوح سعر برميل المياه بين 20 و24 ألف جنيه سوداني، وهو مبلغ يمثل عبئًا كبيرًا على الأسر التي تُعاني من تداعيات الحرب وتراجع الأوضاع الاقتصادية أصلًا.
وأكد مواطنون أن المياه، التي كانت تُعتبر من أبسط مقومات الحياة اليومية، أصبحت تستنزف الوقت والجهد والدخل المحدود للأسر، وسط مخاوف من استمرار الأزمة مع تعطل مصادر الإنتاج والإمداد.
طوابير الانتظار تتحول إلى مشهد يومي
باتت طوابير المياه مشهدًا ثابتًا في أحياء الأبيض المُختلفة، حيث يقضي المواطنون ساعات طويلة تحت درجات حرارة شديدة الارتفاع في انتظار دورهم للحصول على كميات مياه محدودة وسط مخاوف وقلق متزايد من نفاد الكميات المتاحة قبل وصولها للجميع.
ويرى مراقبون أن أزمة المياه بالمدينة تُمثل إحدى أخطر التداعيات الإنسانية للحرب، بعدما تزامنها مع تراجع خدمات الكهرباء والصحة، مما وضع السكان أمام تحديات معيشية مُتفاقمة تتخطى مُجرد تأمين الاحتياجات الأساسية.
وخلال الأيام الماضية، وثقت صور ومقاطع مُتداولة على منصات التواصل الاجتماعي حجم المعاناة التي يعيشها سكان “الأبيض”، إذ أظهرت طوابير طويلة لمواطنين ينتظرون ساعات من أجل الحصول على المياه. وأثارت هذه المشاهد موجة واسعة من التفاعل والتعاطف، لتتحول أزمة المياه بالمدينة إلى قضية رأي عام تعكس حجم الضغوط التي يواجهها المدنيون في إطار استمرار الحرب وتدهور الخدمات الأساسية.
شبكة الأخبار المُتحدة – UNN العربية
منصة إعلامية مُستقلة تقدّم أخبارًا موثوقة وتحليلات موضوعية، وتسعى إلى تعزيز السلام والحوار الثقافي حول العالم، لنقل الحقيقة وبناء جسور التفاهم بين الشعوب.
للمزيد من الأخبار يمكنكم زيارة صفحتنا الرئيسية:
اسم الكاتب: المُستشار فيصل المُطيري.
تاريخ النشر: 24 يونيو 2026.
تاريخ التحديث: يونيو 2026.
