إقرأ الان
إشعارات

رسالة إلى أهلي… لم تُكتب في الدنيا

بواسطة

يمضي عام…

ويقول الناس: مضت سنة على رحيل محمد.

وأقف أمام هذه العبارة طويلًا… ثم أعجز عن تصديقها.
لأن بعض الأرواح لا تعرف معنى الرحيل؛ إنها تغيب عن العيون فقط… أما القلوب، فتظل تسكنها كما يسكن الضوء نافذةً أحبها.

منذ عامٍ كامل…
وكلما ذُكر اسم محمد القاسم، لم يخطر ببالي مشهد موته…
بل خطر ببالي وجه أمٍّ ما زالت تدعو له، وأبٌ كلما نطق اسمه اختلط صوته بالصبر.

وأقول في نفسي:
ما أعجب هذا الابن… حتى بعد أن غادر الدنيا… ما زال يجمع الناس حوله بالمحبة.

بعد أن شاهدت حديث والده، واستعدت تفاصيل حكايته، وقرأت كلمات الغرباء الذين أبكتهم قصته، أدركت أن الله إذا أحب عبداً، لم يجعل أثره ينتهي عند آخر نبضة في قلبه…

بل يبدأ أثره الحقيقي يوم يرحل.

فكم من إنسانٍ عاش ثمانين عاماً ثم انطفأ ذكره في أسبوع…

وكم من شابٍ عاش أعواماً قليلة، ثم بقي عمره الحقيقي ممتداً في قلوب الناس.

ولعل محمداً… من هؤلاء. أطلت التفكير كثيراً…

ثم خطر في قلبي سؤال لم يفارقني:

لو أن الله أذن لمحمد أن يبعث رسالةً واحدة إلى أمه…

ورسالةً واحدة إلى أبيه… فبأي الكلمات سيبدأ؟

لا أظنه سيحدثهما عن لحظة الرحيل…

فالراحل إلى رحمة الله لا يشغله ألم الدنيا بعدما أكرمه الله بما عنده. بل أظنه…

لو استطاع أن يخاطبهما… لقال:

يا أمي… لا تبكي كثيراً… فإن الدموع لا تؤخر لقاءً كتبه الله…

ولا تعجل موعداً أجله الله.

أتذكرين حين كنتِ تعلمينني الدين و أن الدنيا طريق…وأن المؤمن لا يبني قلبه فيها كأنها داره الأخيرة؟

لقد صدقتِ…

وها أنا وصلت إلى الحقيقة التي كنتِ تغرسينها في قلبي منذ طفولتي. فكوني كما علمتِني.

وإذا اشتقتِ إليّ… فأن دعائك إلى السماء… يصلني في كل مره ،، وكأنك تتابعين احوالي مثل ماكنت في الحياة الدنيا ،،

فإن الدعاء أعظم طريقة تصل بين عالمين واذا اشتقتي و جاءك طيفي في منامك… فلا تستيقظي باكية… وكذلك أبي واخواتي

بل احمدوا الله أن الأرواح إذا تعانقت بالمحبة، بقيت تعرف طريقها إلى بعضها، حتى وإن حالت بينها الدنيا.

ويا أبي… كنت أخشى دائماً أن أتعبك .. وكان هدفي أن أرفع رأسك أنت وأمي، وقد رفعني الله، ومعها رفعت رؤوسكم بالذكر الطيب والشهادة، إن شاء الله، التي نلتها في سبيل العلم هي سر يجمعنا في الجنة جميعاً ولقد سبقتكم لترتيب بيتنا هناك … بإذن الله

واليوم أخشى أن يتعبك الحزن أكثر مما أتعبتك الحياة.

فلا تحمل على كتفيك سؤال: لماذا؟ فإن لله من الحكمة ما تعجز عنه أعمار البشر كلها. وقل كما علمتني دائماً:

إنا لله وإنا إليه راجعون أنا لم أضيع … أنا عند من لا تضيع عنده الودائع.

 

ثم يخيل إليّ… أن محمداً سيبتسم ابتسامته التي عرفها الناس عنه… ويقول لكل من أحبه لماذا تنظرون إلى نهاية الطريق…

ولا تنظرون إلى آخره؟ إنما سبقناكم بخطوات… وستأتون جميعاً.

كل واحدٍ يحمل موعده الذي كتبه الله له. وحين تكتمل الرحلة…

لن يكون بيننا وداعٌ آخر.

 

وأنا… كاتب هذه السطور كلما تحدثت مع والده…

أو سمعت والدته… شعرت بشيء لا أعرف له تفسيراً.

كأن قلبي أصبح يعرف هذه الأسرة منذ زمن بعيد.

ولا أدري لماذا… لكنني كثيراً ما أدعو لهم دون مناسبة…

وأفكر بهم دون موعد… ولولا أن الحياء يمنعني…

لاتصلت بهم كل يوم. ليس لأن عندي كلماتٍ جديدة أواسيهم بها… بل لأن بعض الناس إذا ابتلاهم الله…

أصبح الجلوس معهم عبادةً يتعلم منها الإنسان معنى الرضا.

وأخذت أتأمل في حياة محمد… فوجدت أن الله سبحانه ربما أكرم بعض عباده بمنحةٍ لا ينتبه إليها الناس.

كأن الله يقسم أعمارهم قسمين… عمراً يعيشونه بين أهلهم…

وعمراً آخر… يعيشونه داخل قلوب أهلهم. فلا ينتهي حضورهم حين يُوارى الجسد التراب…

بل يبدأ حضورٌ آخر…أعمق… وأبقى… وأصدق.

ولعل هذا هو العمر الذي لا تكتبه السجلات… بل تكتبه المحبة.

يا أم محمد…

لا أحد على وجه الأرض يعرف كيف يشتاق قلب الأم.

ولا أحد يستطيع أن يواسيه كما يواسيه الله.

لكن تذكري… أن الله الذي اختار محمداً إليه…

هو الله الذي وعد الصابرين بما لم يعد به أحداً غيرهم.

قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

ولم يخبرنا كم يبلغ هذا الأجر… لأن الأرقام كلها…

تعجز عن قياس قلب أمٍّ صبرت على فلذة كبدها.

يا أبا محمد…

ليس على الرجل أشدّ من أن يدفن قطعةً من قلبه بيديه.

لكن عزاء المؤمن… أن الأب لا يفقد ابنه إذا كان موعد لقائهما في الجنة. إنما يؤجَّل اللقاء.

وهل هناك أجمل من لقاءٍ لا يعقبه فراق؟

 

أما محمد…

فلا أملك له إلا الدعاء.

وأرجو الله أن يكون ممن قيل لهم عند أول خطوةٍ في الآخرة:

سلامٌ عليكم بما صبرتم…

وأن يكون اليوم في ضيافة ربٍّ هو أرحم به من أمّه التي ولدته.

 

يا محمد…

مرّ عام… لكن اسمك لم يهرم وروحك معنا دائماً وذكراك لم تشخ.

وما زالت القلوب، كلما مرّت بك، تشعر بأن الطيبين لا يرحلون…
بل يغيّرون فقط عنوان إقامتهم.

نسأل الله أن تكون قد انتقلت من ضيق الدنيا إلى سعة رحمته…
ومن تعب الطريق إلى نعيم الإقامة الدائمة…

وأن يجمعك بوالديك وأهلك وكل من أحبك في الفردوس الأعلى…

في يومٍ لا يُقال فيه ،،وداعاً… بل يُقال فيه إلى الأبد:

﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾.

الدكتور فيصل المطيري
رئيس الاتحاد الدبلوماسي الدولي
سفير الكونغرس الدولي
باحث – جامعة كامبريدج

شارك هذه المقالة
5 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *